حين يُستنسخ القرار الاقتصادي: تحذير مبكر من التأميم غير المدروس

حين يُستنسخ القرار الاقتصادي: تحذير مبكر من التأميم غير المدروس
يحذّر الطرح من استنساخ سياسات التأميم دون فهم البنية الاقتصادية، مبرزاً أن تقليد التجارب الخارجية أدى تاريخياً إلى تآكل الحوافز وتراجع الإنتاج وتحويل المجتمع من منتج إلى مستهلك، مع آثار اجتماعية واقتصادية بعيدة المدى....

قراءة تاريخية تكشف أن تقليد النماذج الاقتصادية دون فهم بنية الدولة وقدرتها الإنتاجية يقود إلى تآكل الحوافز، تراجع الإنتاج، وتحويل المجتمع من مُنتِج إلى مُستهلِك—وهو درس ما زال صالحاً لاقتصادات اليوم.

نصائح اقتصادية من عبد الرحمن البزاز لعبد السلام عارف.. أنت تعلم يا “حجي” مواقفي السابقة أزاء التأميم والإصلاح الزراعي، سواءً خلال العهد الملكي أو أبان حكم “عبدالكريم قاسم”، ولكني أشدد أن الخطوة التي إتخذتموها بصدد التأميم قبل (5) أشهر كانت خاطئة وغير مدروسة… فالعراق المُعاصر الذي تأسس (عام1921) دولةٌ لم تكن رأسمالية مطلقاً كي نطبق الإشتراكية في ربوعها ونُؤمِّم مصالح الناس لديها، فقد تملكت جميع المصالح الأساسية لتسيير إقتصادها الوطني على أكمل وجه، فالقطارات حكومية والخطوط الجوية كذلك، ومصلحة نقل الركاب والبريد والتلفونات والطرق البرية والجسور والمستشفيات الكبرى والمدارس والكليات والموانئ والسفن الكبيرة كلها تابعة للدولة، ورؤوس أموالها تبلغ عشرات الملايين لكل مؤسسة على حدة… إذنْ، فهل كان هناك داعٍ لتأميم مصانع غزل ونسيج وشركات صغيرة ومعامل متواضعة لا يتعدى رأسمال كبراها مليون دينار واحد فقط من تلك التي كانت تزوِّد السوق العراقية بمنتجاتها البديعة وتُصدِّر الفائض منها الى الخارج، فتُعيل بذلك آلاف العمال والموظفين وعوائلهم وتُشارك في القضاء على البطالة التي لم يعد لها وجود في العراق… إعملوا إحصائية منذ الآن، أو مع مطلع السنة الجديدة، لتَرَوا النقص الذي سيبرز في إنتاج تلك المعامل والشركات، ولاحظوا الخسارة الكبيرة التي أصابت أو ستُصيب العراق من جراء التأميم… والحقيقة الأهم أن الموظف أو العامل عندما يتيقَّن أنه مُصانٌ بالقانون وراتبه مضمون فربما يتحوَّل إلى إنسان غير مسؤول، وأنه إذا ما تمتّع بإجازات طويلة أو لم يتمتع، وإن أجاد العمل أو أخفق، فإن راتبه الحكومي يتسلّمه حتماً، وذلك ما يحقق له ما يبتغي من معيشة لائقة، لذلك فلا يرى حاجة ليُرهِق نفسه في الإنتاج ولا يخشى من الطرد أو الإقالة.

وأقولها لك صراحة، أن الذي توصّلتُ إليه، أنكم أقبَلتُم على خطوة التأميم وإتخذتموها سيراً على ((المودة/التقليعة)) التي إجتاحت البعض من دول العالم النامي، وأنكم تأثرتم بالتجربة المصرية في هذا الشأن، فما دام الرئيس “جمال عبدالناصر” قد أَمَّمَ فإنكم أمََّمْتُم، وأنه ما دام قد إتّخذ الخطوة الفلانية، فإنكم يجب أن تقلّدوه!!!

كان عليكم -يا أبا أحمد-قبل كل شيء، أن تدرسوا بعناية ما آل اليه التأميم من نتائج في “مصر” وما أحدثه من وَيلات وإنتكاسات في المجتمع المصري وإقتصاده قبل أن تُؤمِّموا.

وحتى بالنسبة لـ”الإصلاح الزراعي” -والذي أنتَ غير مسؤول عنه- فقد بات وَبالاً آخرَ على العراق، فبلدنا الذي كان مُصَدِّراً لأنواع الحبوب والسمسم والأذرة وغيرها، ومن بعدها “الماشية” المرتبطة في الأساس بالزراعة، فإنه أصبح مستورداً لها… ودعني أعطيك مثالاً بسيطاً، ولكنه خطر جداً في نتائجه، فـ”القاهرة” التي لم يكن تعداد نفوسها يزيد عن “مليون واحد” من البشر عام (ثورة يوليو1952) فقد أمسى الآن يقارب (7) ملايين أو يزيد، ليس بسبب الزيادة التي طرأت على السكان التي يزعمونها، بل بتأثير هجرة الناس إلى “القاهرة” من جراء الفشل الذي أصاب الزراعة في الريف المصري وتوقّف العمل في المصانع والمعامل بالمدن الأخرى وإخفاق الدولة في إدارتها، ما جعل العامل والفلاّح يتحوّل من ((مُنتِج)) الى ((مُستهلِك)) يبحث عن لقمة عيش له ولعائلته لقاء أية خدمة متدنية يؤدّيها أو بيع مواد جاهزة على الأرصفة، وبات يعيش “فوق السطوح” أو في غرف منفردة وصولاً إلى المبيت في الدرابين والأزقّة وما بين المَوتى وسط المقابر… لقد كان “الإصلاح الزراعي” وبالاً وبِدعة، وكل بِدعة ضَلالة، وكل ضَلالة في النار.

عبد الرحمن البزاز كان وقتها سفير العراق في لندن والسكرتير العام لمنظمة اوبك ورئيس الوفد العراقي المفاوض لشركات النفط.

جرى هذا اللقاء مساء يوم 6 كانون الأول 1964 في مكتب عبد السلام عارف بالقصر الجمهوري.

الرواية على ذمة العميد المتقاعد صبحي ناظم توفيق والذي كان يعمل في سكرتارية القصر الجمهوري.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *