الفكري الامن الفكري يعرف بأنه الحفاظ على أفكار الفرد والمجتمع من الهجمات الفكرية التي تستهدف القيم والعادات والمعتقدات، هجمات فردية أو جماعية. أي بمعنى ان يكون الفرد والمجتمع امناً على أفكاره ومعتقداته وثقافته وهو أحد أفرع الامن والذي يقسم الى اقسام عدة منها الاقتصادي والمعلوماتي والوطني والبيئي والمائي على سبيل المثال لا الحصر. لكن الحفاظ على الامن بفرعه الفكري لا يعني انغلاق الفكر بل الاطلاع على ثقافات الأمم وحضارتها واخذ الصالح منها ونبذ الطالح مع تشذيب الأفكار والمعتقدات الوطنية. ظهرت الحاجة الى تأمين الفرد والمجتمع فكرياً مع ظهور الأفكار والبرامج الأيديولوجية التي تحاكي عقل الانسان في بدايات القرن المنصرم لكن الحاجة الماسة باتت تفرض نفسها بظهور الأفكار المتطرفة والتي عادةً ما يصاب بها الشخص المنغلق فكرياً ليقود التطرف الى تطرف عنيف يفضي الى الممارسات والنشاطات الإرهابية اذ واجه فكر الانسان هجمات فكرية متتالية ومتواترة دون انقطاع بدءاً من نهاية القرن العشرين لتتحول هذه الهجمات الفكرية الى واقع مادي ملموس يضرب بعنف مفرط مهدداً كيان الفرد والدولة بشكل عابر للحدود. وعملاً بالقاعدة الفيزيائية من ان لكل فعل رد فعل يساويه في القوة ويعاكسه في الاتجاه انبرى الفرد والمجتمع وسائر التجمعات البشرية في محاولة لتحصين الفكر واتخذت هذه المحاولات مستويات عدة.
فمن مستوى الفرد والذي يعد هو النواة واللبنة الأساس لتحصين باقي المستويات وهي الاسرة والمجتمع المحلي والدولة ثم المستوى العالمي كالأمم المتحدة التي أنشأت عام 2017 مكتب لمكافحة الإرهاب والأفكار المتطرفة التي تستهدف فكر الانسان ويتولى هذا المكتب بناء قدرات الدول الأعضاء في جمعية الأمم المتحدة بناءً على طلبها لتحقيق المهمة التي أنشئ من اجلها. ويصنع الامن الفكري للإنسان بأبعاد عدة منها ما هو سياسي والذي يتعلق بالمشاركة والتمثيل أي المشاركة في صنع القرار وعدالة التمثيل في المؤسسات الوطنية والمحلية وكذلك عدالة توزيع الثروات والتعايش السلمي وقبول الاخر وهذا ما ينقلنا الى البعد الاجتماعي والمتعلق بقبول الاخر وان تكون الهوية الوطنية الموحدة هي رابط الولاء الذي يربط أبناء الوطن الواحد الذين يحضون بفرص تعليمية وخدمية متساوية لا يوجد فيها تمايز ويتمتعون بمستوى معيشي يتصف بالعدالة يتلاءم مع الموارد الاقتصادية الوطنية وهذا هو البعد الاقتصادي.
أما المؤسسات الفاعلة في عملية بناء الامن الفكري فهي مؤسسات رسمية وغير رسمية وهي نفسها المؤسسات المسؤولة عن التنشئة الاجتماعية السياسية والتي هي الفرد والعائلة والاقران أي الأصدقاء والمدرسة والجامعة والجامع والأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني. ومؤخراً اهتمت دول عدة بموضوع بناء الامن الفكري لمواطنيها فأصبحت لدينا جامعات ومراكز للأبحاث تضطلع بهذه المهمة مثل كرسي الأمير نايف في جامعة الملك سعود والذي يضع برامج ويمنح شهادات أولية وعليا واستراتيجيات مستقبلية تعزز من الامن الفكري لإفراد المجتمع.
ولدينا في العراق لجنة وطنية تعرف باسم اللجنة الوطنية لمكافحة التطرف العنيف المؤدي الى الإرهاب تابعة لجهاز الامن الوطني والتي تتولى مهمة حماية فكر المجتمع العراقي من الهجمات الفكرية المتطرفة لكن جهودها في هذا المجال ليست كافية اذ يجب اشراك المؤسسة التربوية والتعليمية من خلال مادة مستقلة او فصل من مادة تعليمية تعمل على بناء الامن الفكري للفرد لا سيما ان للغزو أوجه عدة وليس الوجه العسكري فقط منه ماهو ثقافي وما هو اقتصادي وما هو ديني وتعد هذه الأوجه هي القوة الناعمة التي امست تحكم وتسيطر وتربط دولاً باخر من خلال التسلسل غير المرئي للحدود. وعلى هدىً مما سبق يتبين لنا لاسيما ونحن كشعب عانينا من الفكر المتطرف وتبعاته باننا بحاجة ماسة الى بناء امننا الفكري بمستوياته المتعددة وابعاده من خلال المؤسسات الرسمية وغير الرسمية .


