ما إن تحدّث بافل طالباني عن وجوب “نزع سلاح القوات التي لا تخضع لقرار الدولة داخل إقليم كردستان”، حتى تسابق بعض الكتّاب والمحرّضين لاستغلال التصريح وتحويره باتجاه بغداد، وكأن المقصود فصائل شيعية. هذا الأسلوب البائس لم يعد مجرد تضليل سياسي، بل عبث إعلامي متعمد يحاول الهروب من حقيقة يعرفها كل كردي وكل عراقي منصف: طالباني كان يتحدث عن فصائل كردية مسلّحة داخل الإقليم، لا عن فصائل مذهبية في الوسط والجنوب.
تصريح طالباني لم يوجَّه ضد بغداد ولا القوى الشيعية، بل ضد جماعات كردية مسلحة تعمل داخل مناطق الإقليم نتيجة صراعات الأحزاب، وتدخل دول الجوار، وغياب مشروع موحّد لتسليم السلاح إلى حكومة كردستان ووزارة البيشمركة.
الخطر الذي تحدّث عنه لا يكمن في هوية من يحمل السلاح، بل في أنه سلاح بلا دولة، سلاح لا يخضع لحكومة الإقليم ولا للحكومة الاتحادية، ويخلق قوة موازية تقاسم الدولة سيادتها.
أولاً: قوات حزب العمال الكردستاني داخل الإقليم
تمارس هذه القوات نشاطًا مسلحًا مستقلاً في سنجار، مخمور، قنديل، وزاخو. وهي مذكورة رسمياً بأنها لا تخضع لقرار حكومة الإقليم ولا الحكومة الاتحادية.
أبرز تشكيلاتها:
وحدات حماية شنكال (إيزيدية مرتبطة بحزب العمال)
وحدات المرأة في شنكال
قوات حزب العمال في قنديل
هذه القوات تعمل ككيان عسكري مستقل تماماً، ووجودها أصبح الذريعة الأكبر لدخول الجيش التركي واعتداءاته المتكررة داخل الأراضي العراقية.
ثانياً: قوات حزبية لأحزاب كردية ليست تحت القرار الحكومي
يمتلك الحزبان الرئيسيان قوات عسكرية تاريخية سابقة لتأسيس الإقليم، وما زال جزء كبير منها يعمل داخل المؤسسات شكلاً، لكنه يتبع قرار الحزب فعلياً لا وزارة البيشمركة.
الأحزاب التي تمتلك قواتها العسكرية الخاصة:
الحزب الديمقراطي الكردستاني
الاتحاد الوطني الكردستاني
هذه القوات ليست خارجة عن القانون بشكل كامل، لكنها لا تخضع لقرار مركزي موحد، فتتحول عملياً إلى سلاح حزبي لا سلاحاً وطنياً.
ثالثاً: مجموعات حدودية مدعومة من تركيا
بحسب تصريحات رسمية وتقارير إعلامية، تعمل مجموعات مسلحة محلية داخل المناطق الحدودية بتنسيق مباشر مع تركيا ضد حزب العمال. هذه المجموعات لا تتبع البيشمركة ولا الشرطة، وتمثل مناطق نفوذ أمني يخدم المصالح التركية داخل الإقليم.
وجود هذه الجماعات منح تركيا غطاءً للتوغل العسكري بحجة “التنسيق مع جهات محلية”، فاختلطت الحدود بالسياسة، وضاعت سيادة الإقليم بين نفوذ داخلي وسلاح خارجي.
الكذب على حساب الحقيقة
من المعيب أن يستغل البعض كل تصريح ضد “الميليشيات” ليجعله سلاحاً للهجوم على الشيعة حصراً، وكأن السلاح الخارج عن القانون موجود في اتجاه واحد دون غيره.
إن تحويل كلام طالباني إلى اتهام طائفي ليس دفاعاً عن كردستان ولا عن الدولة، بل تسويق للكراهية وتجهيل للجمهور، وإخفاء لواقع خطير في الإقليم:
هناك جماعات كردية مسلحة لا تخضع لقرار أربيل ولا بغداد، وهي التي قصدها طالباني حرفياً.
من يستغل الأحداث لضرب الشيعة لا يدافع عن الدولة، بل يدافع عن الكراهية. ومن يحاول تلميع السلاح الكردي خارج الدولة هو شريك في تدمير هيبة الإقليم قبل العراق كله.
لم يقصد طالباني “ميليشيات شيعية”، بل كان يشير إلى سلاح كردي بلا دولة.
إلى فصائل داخل الإقليم لا تأتمر بقرار أربيل ولا بغداد.
الخطر على كردستان اليوم لا يأتي من بغداد، بل من تعدد البنادق داخل الإقليم نفسه.
فدولة بلا سلاح موحد… مجرد جغرافيا تنتظر من يكتب لها مصيرها.


