قانون الغرامات… مقصلة الفقراء

قانون الغرامات… مقصلة الفقراء
القانون الجديد للغرامات في العراق أضرّ بأصحاب السيارات الفقراء، فتحوّل إلى عبء اقتصادي قاسٍ يهدد أرزاقهم، والحل يكمن في تخفيض الغرامات وإلغاء مضاعفتها، وربطها بواقع الأجور لضمان العدالة وحماية المواطنين....
لا يمكن لأي عراقي أن ينكر أن قانون الغرامات الجديد تحوّل إلى كارثة اقتصادية ضربت أصحاب السيارات، خصوصاً أولئك الذين يعتاشون على مركباتهم؛ من سواق التكسي، وأصحاب سيارات النقل. ما حصل لم يكن تنظيماً للمرور، بل كان هجمة عقابية صيغت بلا دراسة، بلا عدالة، وبلا أدنى مراعاة للواقع المعيشي الذي يعيشه المواطن. إن فرض غرامات تصل إلى 200 ألف دينار – وتُضاعف لتصبح 400 ألف خلال بضع أسابيع – هو أمر لا يقبله عقل ولا ينسجم مع أية معايير اجتماعية أو اقتصادية. كيف تُغرّم المواطن 400 ألف دينار في بلد متوسط الراتب فيه 500 – 600 ألف؟ وكيف يُطلب من سائق يعتاش على 20–30 ألف يومياً أن يدفع غرامة تعادل قوت شهر كامل؟ والأشد مرارة أن بعض الغرامات اليوم بسبب المضاعفة وصلت الى سعر السيارة نفسها عند بيعها أو عند تجديد أوراقها، وكأن القانون يقول للسائق: “إمّا أن تدفع… أو تترك رزقك.”

لم يكتفِ القانون بفرض مبالغ هائلة، بل جاء نظام الكاميرات ليحوّل الشارع إلى شبكة مصائد مالية. الكاميرات لا تهتم بظروف الناس، لا تميّز بين سائق بسيط يبحث عن قوت يومه وبين صاحب سيارات فارهة لا يشعر بقيمة المبلغ. بل إن بعض السائقين يتلقون عدة غرامات في اليوم الواحد على الطريق نفسه، والمقطع نفسه، وربما خلال دقائق معدودة! الكاميرا لا تسأل: هل هذا السائق يعيل عائلة؟ هل يستطيع دفع الغرامة أم ستُقطع عنه لقمة العيش؟ لقد تحولت الكاميرات من وسيلة لحماية الأرواح إلى وسيلة للاستنزاف، ومن أداة ضبط إلى فخاخ مالية لا ترحم.

هذه السياسة لم تنظّم الشارع، بل هدمت بيوتاً عامرة كانت تسترزق من رزقها الحلال. كم من سائق اليوم ينام وفي صدره غصّة لأنه مطالب بمليون دينار غرامات؟ كم من عائلة انقطع عنها رزقها لأن ربّ المنزل لم يعد قادراً على الخروج بسيارته خوفاً من الكاميرات والغرامات؟ كم من سيارة اليوم محجوزة والبيت بلا معيل؟ هل هؤلاء مجرمون أم مواطنون يسعون للعيش؟

الشعب لا يعترض على الغرامات، بل يعترض على الظلم. والحل ليس صعباً ولا مستحيلاً. يجب تحديد أعلى غرامة بـ ٢٥ ألف دينار فقط بدلاً من ٤٠٠ ألف التي تعادل راتب موظف لشهر كامل. كما يجب إلغاء نظام مضاعفة الغرامات بالكامل، وإعادة النظر بجميع الغرامات الصادرة للسنوات ٢٠٢٣–٢٠٢٥، وتحويلها إلى مبالغ رمزية يستطيع المواطن دفعها، إضافة إلى إلغاء الغرامات المفروضة عبر الكاميرات في المناطق غير المفهومة أو غير المعلمة بوضوح، ومراجعة قانون المرور بما يتناسب مع الحد الأدنى للأجور ومعيشة الناس.

الحكومة التي تريد بناء دولة تبدأ من حماية الناس لا من استنزافهم. والسائق العراقي اليوم لا يطلب المستحيل، بل يطلب عدالة تحفظ كرامته وتترك له رزقه. القانون الذي لا يراعي الفقراء ليس قانوناً… بل عبء يدمّر الحياة. وغرامات اليوم ليست تنظيماً، بل لعنة اقتصادية وضعتها الحكومة على رقاب الفقراء، والواجب أن تُلغى فوراً قبل أن تتحول إلى مأساة وطنية تُثقِل كاهل كل بيت عراقي.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *