لسياسة العامة للدولة العراقية في مواجهة أزمة المياه

لسياسة العامة للدولة العراقية في مواجهة أزمة المياه
يبيّن النص أنّ أزمة المياه في العراق ناتجة عن تغيّر المناخ وانخفاض الأمطار، والأهم تراجع الإطلاقات التركية والإيرانية، رغم امتلاك العراق لسدود عديدة، مؤكدًا أن السياسة المائية تُفرض عليه خارجيًا وأن الاتفاقيات الأخيرة تأثيرها محدود....

السياسة العامة بحسب تعريف توماس داي ((هي كل ما تفعله الحكومة وما لا تفعله)) أي كل نشاط تفعله الحكومة استجابة لمطلب او العمل على حل مشكلة او قد لا تفعل شيء لأن تحركها يكون غير ذي جدوى.

وتتكون السياسة العامة من عناصر أساسية هي المطالب وهي تمثل الركيزة الأساسية للسياسة العامة لتأتي بعدها القرارات والتصريحات والمخرجات والتي تمثل تنفيذ السياسة العامة ثم العوائد أي الأثر على المجتمع وهل حقق هذا الأثر مبتغى السياسة العامة وهدفها.

فالسياسة العامة بموجز الكلمات تقوم على وجود مطلب من افراد المجتمع أو قضية معينة لتصوغ الحكومة عبر الصناع الرسميون وشبه الرسميون سياسة عامة لتلبية هذا المطلب ولحل مشكلة او قضية معينة.

وتمثل أزمة المياه ازمة حقيقة خانقة بحت فيها أصوات المجتمع بكافة طبقاته لاسيما الطبقة الفلاحية من كثرة المطالب بحلها وعلى أثرها هاجر السكان الى مناطق أخرى اذ بلغ عدد النازحين من قرى محافظة الناصرية بحدود 10،000 نازح خلال عام واحد وهذا يعني فقدان للمساحات الخضراء ومن ثم التصحر الذي بات كابوساً يهدد القرى في المناطق الريفية فضلاً عن تهديده بفقدان الثروة الحيوانية اذ خسر العراق 11،000 راٍساً من الجاموس خلال العاميين الماضيين بانخفاض عدد رؤوس الماشية من 21،000 الى 10،000 بسبب جفاف الاهوار.

أما عن أسباب ازمة المياه في العراق فيمكن حصرها في سببين: 

اولاً / انخفاض معدلات التساقطات المطرية: يعاني العراق من انخفاض معدل التساقطات المطرية مؤخراً وحدث هذا بسبب التغييرات المناخية التي تعصف بالكرة الأرضية بشكل عام وبشكل خاص العراق الذي صنف خامس دولة هشة عالمياً من ناحية التأثر السلبي بالتغييرات المناخية اذ انخفضت كمية الامطار الساقطة خلال السنوات الماضية لتسجل محطة الرمادي في شهر تشرين الثاني 2024 معدل تساقط بلغ 38،2 ملم في حين بلغ معدل التساقط لنفس الشهر لعام 2023 في نفس المحطة 50 ملم وفي عام 1977 بلغ معدل التساقط 68،1 ملم وفي عام 1926 بلغ 132،6 ملم كذلك لشهر تشرين الثاني من مراجعة الأرقام يتبين مستوى الانخفاض.

اما عن محطة الرطبة فسجلت كذلك انخفاض في معدلات تساقط الامطار اذ بلغ مجمل التساقط خلال شهر تشرين الثاني لعام 2024، 5 ملم في حين بلغ معدل التساقط لنفس الشهر لعام 1998، 57 ملم وبلغ عام 1994، (100،3) ملم ومن مراجعة الأرقام يتبين كذلك الانخفاض.

ثانياً/ انخفاض اطلاقات المياه من دولة تركيا وتحويل مجرى عدد من الأنهار من دولة إيران فدولة تركيا وبسبب بناء السدود العملاقة على منابع نهري دجلة والفرات خفضت الاطلاقات المائية فسجلت محطة الموصل عام 1973 قبل المباشرة ببناء السدود معدل إطلاق (21،3) مليار متر مكعب بالسنة في حين بلغ معدل الاطلاق عام 2005 (19،5) مليار متر مكعب بالسنة اما حصة محافظة بغداد من مياه نهر دجلة فكانت عام 1966 (1207) متر مكعب بالثانية لتصبح عام 2000 (927) وعام 2024(522) متر مكعب بالثانية اما حصة العراق حالياً من اطلاقات نهر دجلة من الجارة تركيا فتبلغ (200) متر مكعب بالثانية هذا فيما يتعلق بنهر دجلة.

اما نهر الفرات فبلغ معدل الاطلاقات المائية عام 1973(30،6) مليار متر مكعب بالسنة وفي عام 1998 بلغ (22,8).

من المقارنة بالأرقام يتبين ان نسبة الانخفاض بالإطلاقات المائية من دولة تركيا تجاوزت ال 50% بكثير

اما عن الجارة إيران فقامت بقطع مجموعة من الأنهر الصغيرة وتحويل مجراها ومنها نهر الزاب الصغير الذي يصب في محافظة السليمانية ونهر الوند الذي يصب في خانقين ونهري الكرخة والطيب اللذان يصبان في هور الحويزة بالإضافة الى مجموعة أنهر صغيرة أخرى.

وتؤثر دول الجوار بمعدلات الاطلاقات المائية لنهري دجلة والفرات بحسب النسب المبينة فتركيا تؤثر بنسبة 71% لكلا النهرين وإيران بنسبة 6،9% لنهر دجلة فقط وسوريا بنسبة 4% ولكلا النهرين ومن النسب أعلاه يتبين ان الفاعل الأكبر والمؤثر على السياسة العامة المائية العراقية هي دولة تركيا اذ تتحكم بالإطلاقات المائية من خلال بناء السدود.

اما مقولة ان العراق هو السبب في ضياع موارده المائية بسبب عدم بناء السدود فهي مقولة تفتقر الى الدقة وبحاجة الى التمحيص اذ يمتلك العراق تسعة عشر سداً موزعة على نهري دجلة والفرات بواقع سبعة سدود على الفرات وأثنى عشر سداً على نهر دجلة أكبر سد في العراق هو سد الموصل على نهر دجلة بطاقة حزن 11،11 مليار متر مكعب وصرح وزير الموارد المائية العراقي ان نسبة الخزن لشهر اب لعام 2025 لم تتجاوز الثلث.

وتوجد اغلب السدود العراقية في المحافظات الشمالية والغربية بسبب الطبيعة الجغرافية لتلك المناطق وما تملكه من تضاريس تشكل احواض مجانية اما عن بناء السدود في جنوب العراق بالقرب من المصب فلا يمكن ذلك بسبب استواء الأرض وقربها من مستوى سطح البحر.

ومؤخراً وقعت الحكومة العراقية اتفاقية مع دولة تركيا لبناء سدادات للمياه مهماتها الحفاظ على مستوى المياه وليس الخزن وسدود صغيرة لحصاد مياه الامطار بعدد 36 سد صغيراً موزعة على سبعة محافظة في مناطق الفرات الأوسط والمناطق الجنوبية تنفذ هذه المشاريع من دولة تركيا مع وعود بزيادة الاطلاقات المائية.

يتبين ان الاتفاقية العراقية التركية ستسهم بشكل ضئيل بتحسين الواقع المائي العراقي فالزيادة المائية التركية الموعودة هي نسبية وان العراق رضخ للشروط التركية رغبةً في التخلص مما هو اسوء وسط صمت وتجاهل دولي للمنظمات الدولية وأبرزها الأمم المتحدة التي خفت نجمها بل انطفئ وسط سياسة الأقطاب المتعددة التي تحكم العالم وبذلك تكون السياسة العامة المائية للدولة العراقية هي سياسة عقيمة تفرض من دول الجوار على صانع السياسة كونها هي المتحكمة بالمنبع أي بمنبع المياه الذي يأتي اغلبه من خارج الحدود العراقية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *