منذ خمسةٍ وسبعين عاماً، والجنوب يُشبه جبلاً خرج من صدر التاريخ، يحمل فوق كتفيه وصايا الأنبياء، وتحت قدميه جمرٌ لا يخبو. أرضٌ لا تُشبه بقعةً في الدنيا، بل تُشبه قطعةً سقطت من جناح ملاك ثم اختلطت بدماء البشر.
هناك، في أقصى ما تصل إليه يد الشمس، تمدّ القرى جسدها كأنها أسودٌ رابضة تنتظر هجمة قدرٍ تعرفه… وتستقبله.
جنوبٌ كلما ضربته الحرب… ازداد شبهاً بالمعجزة
منذ أول رصاصة صهيونية اخترقت صمت السهول، فهم الجنوب أنّه ليس مجرد وطن…
بل بوابةٌ من بوابات السماء، اختارها القدر لتحرس الحقّ كما تحرس العيونُ الأسرار.
تخاله حين يقف، كأنّه صخرةٌ نزلت من جبل الطور، تشتعل إذا مسّها الظلم، وتبرد إذا اقترب منها الضعفاء.
وتحسبه إذا انتفض، كأنّ صوتاً خفياً يخرج من تحت ترابه يقول:
“دوري لم ينتهِ بعد.”
لا بقعة فيه إلا وشربت دماء أبنائها كما تشرب السواقي روح المطر
في الجنوب، الدم ليس حدثاً…
الدم طقسٌ مقدّس.
تخيّل حقلاً من التبغ يصعد منه عطر الشهداء، أو شجرة زيتونٍ نمت على حافة مقبرة فحملت في أغصانها أسماء الذين ناموا تحتها.
تخيّل قريةً كاملة تُطفئ مصابيحها لتُنصت لوقع أقدام مقاتلٍ يعود قبل الفجر، كأنّ النجوم نفسها ترافقه بصفٍّ صامت من الضوء.
لا طريقَ هناك إلا وعبرت فوقه جنازة،
ولا حجرٌ إلا ومرّ بجانبه مقاتل،
ولا ليلةٌ إلا وكان فيها قمرٌ يفتّش عن شهيد جديد ليعلّق اسمه في السماء.
الجنوب وفلسطين: أسطورتان من جرحٍ واحد
ليست العلاقة بين الجنوب وفلسطين علاقة حدود، بل علاقة جسدٍ يبحث عن روحه.
فالجنوب حين ينظر إلى فلسطين، يرى مرآته الأولى، ويرى ألمَه يُعاد بصيغةٍ أخرى.
لقد استقبل الجنوبيّ الفلسطينيّ لا بوصفه نازحاً، بل بوصفه الابنَ الذي عاد من معركةٍ لم تنتهِ.
وما زالت النساء هناك يخبزن الخبز للأخ الفلسطيني كما يخبزن للدّم…
فالخبز والدم في الجنوب من أهل البيت ذاته.
إنها علاقة لا تفسّرها السياسة، بل تفسّرها الأسطورة:
أسطورة شعبين خرجا من جرح واحد، وقلبٍ واحد، ونداء واحد يرنّ منذ سبعين عاماً في ليل المنطقة:
“الحق لا يموت، بل نُبعث معه كلما حملنا سيفاً أو كفناً.”
أرضٌ تمشي معها السماء جنباً إلى جنب
في الجنوب، لا شيء يحدث في الأرض إلا وتلتفت السماء إليه.
كأن بينهما ميثاقاً قديماً:
أن تحرس السماء أبناء الجنوب، وأن يرفع أبناء الجنوب راية الحقّ حتى تصل إلى السماء.
الملائكة هناك ليست فكرة دينية—
بل نسائم حقيقية تمرّ على وجوه الأمهات حين يودّعن أبناءهن.
والغيم ليس غيم ماء—
بل غيم أرواح يسكن فوق الحدود، يمدّ ظلاله على المقاتلين وهم يختفون بين أشجار البلان.
وإذا نظرتَ طويلاً إلى تلال مارون الراس أو بنت جبيل، شعرتَ أن الأرض تنطق:
“هنا، يلتقي التراب بالعرش.”
شعبٌ يولد من النار كما يولد الذهب من اللهيب
الجنوبيّ لا يموت…
بل يعود إلى شكله الأول: نورٌ يمشي في ليل المقاومة، وصوتٌ يدخل في صدر البحر، ورمزٌ يضاف إلى أسطورةٍ لن تنتهي.
حين يسقط واحدٌ منهم، تشعر أن الأرض تهتزّ ثم تهدأ، كأنها أخذت نفساً جديداً لتُنجب ألفاً.
وحين يحترق بيتٌ، يبني أصحابه بيتاً آخر من الصبر، يعلّقون على بابه لوحة تقول:
“من هنا مرّ الحزن… لكنه لم ينتصر.”
الختام: الجنوب… ملحمةُ بشرٍ يحرسهم الله بأصابعه
الجنوب ليس أرضاً تُقرأ في كتاب،
بل كتاباً يكتب نفسه كل يوم،
بالدم حيناً، بالبطولة حيناً، وبالإيمان دائماً.
وهو يشبه القول القديم:
“إذا سقطت كلّ الأسوار، يبقى هناك سورٌ واحدٌ من نور… اسمه الجنوب.”


