| لا شّك ولا ريب أنّ الفائز الأكبر في هذا العرس الانتخابي هو العراق بشعبه ونظامه السياسي والقضائي ، ولا شّك أيضا أنّ ما تمّ إنجازه في هذه الانتخابات قد تعدّى حدود كافة التوقعات بكثير ، ليس من حيث نسبة المشاركة الكبيرة التي صدمت الجميع فحسب ، بل في النجاح الباهر الذي تحقق في هذه الانتخابات ، على صعيد الأمن وإدارة هذه الانتخابات من قبل المفوضية العليا المستقلّة للانتخابات ، ولست مبالغا إذا قلت أنّ ما تمّ إنجازه في هذه الانتخابات قد فاق حدود الخيال في كلّ شيء ..
النتائج الأولية التي أفرزتها صناديق الاقتراع قد أثبتت أنّ الشعب العراقي على قدر كبير من الوعي والمسؤولية الوطنية في الحفاظ على نظامه السياسي القائم ، وثبّتت حق المكوّن الأكبر في نسبة تمثيله البرلماني وحقّه في تشكيل الحكومة .. ثمة أمر مهم آخر أفرزته هذه الانتخابات هو أنّ الكتل السياسية الشيعية الفائزة غير قادرة بمفردها على تشكيل الكتلة الأكبر من دون التوافق السياسي بين هذه الكتل لتحقيق الكتلة الأكبر التي سترّشح رئيس الوزراء القادم .. العراقيون يقاطعون المقاطعة ..المفاجئة الكبرى في هذه الانتخابات هي مقاطعة العراقيين للمقاطعة التي دعا إليها زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر ، وكما يقول المثل ( تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن ) ، فنسبة المشاركة المذهلة التي بلغت 56% ، قد أسرّت عامّة الشعب العراقي وأغاضت بكل تأكيد المقاطعون لهذه الانتخابات ، فبينما كان المقاطعون لهذه الانتخابات يراهنون على مقاطعة الشعب العراقي لهذه الانتخابات وإسقاط العملية الديمقراطية ، وإذا بالشعب العراقي ينهض و يهبّ من الصباح الباكر إلى صناديق الاقتراع ليسقط المقاطعة ويثبت حق المكوّن الشيعي الأكبر في التمثيل النيابي .. فالانتخابات قد نجحت نجاحا باهرا وسارت نحو هدفها ، والمقاطعة قد فشلت فشلا ذريعا في تحقيق أهدافها ، وها هي العملية السياسية تسير بعد غلق صناديق الاقتراع نحو المرحلة الثانية ، وهي مرحلة تشكيل الكتلة الأكبر التي سترّشح رئيس الحكومة القادمة .. وبكل تأكيد أنّ معركة تشكيل الكتلة الأكبر لا تقلّ شراسة عن معركة الانتخابات .. لا زلت أرى أنّ كلّ الاحتمالات قائمة ، وحظوظ الكتل السياسية المتنافسة على تشكيل الكتلة الأكبر تعتمد بشكل أكبر على التحالفات القادمة .. مبروك لشعبنا العراقي هذا العرس الانتخابي ، ومبروك لكل المرشحين الفائزين في الانتخابات ، وحظا سعيدا للمرشحين غير الفائزين ، وكل التهاني لمن يحظى بترشيح الكتلة الأكبر .. فمعركة ما بعد الانتخابات تختلف تماما عن معركة ما قبل الانتخابات ، فهي معركة سياسية بامتياز ، تتحّكم فيها عوامل داخلية وخارجية ، ومن المؤكد أنّ الوضع الدولي والإقليمي للمنطقة سيلقي بظلاله على عملية تشكيل الحكومة القادمة .. وواهم من يعتقد أنّ تشكيل الحكومة القادمة في العراق سيكون بعيدا عن تأثيرات العامل الدولي والإقليمي .. ولا زلت حتى هذه اللحظة اعتقد أنّ كلّ الاحتمالات مفتوحة ، فلا شيء مؤكد قبل تشكيل الكتلة الأكبر وانتخاب رئيس الجمهورية ، والصراع السياسي على رئاسة الجمهورية ورئاسة مجلس النواب سيكون محتدما هو الآخر هذه المرّة أيضا وبقوّة .. الف مبروك لمن فاز في هذه الانتخابات وحظا سعيدا لمن لم يحالفه الحظ . |


