أصداف : الناقد عبد الحسين صنكور

أصداف : الناقد عبد الحسين صنكور
منذ أن بدأ نشر دراساته النقديَّة في النصف الثاني من سبعينيَّات القرن العشرين، لَفَتَ الناقدُ الأدبيّ الشاب عبد الحسين صَنْكور الأنظارَ كما لم يحصل مع الأسماء الشابَّة الأخرى. فقد تَلَقَّفَتْ كتاباتِه مجلةُ الأقلام العراقيَّة، الَّتي كانت في ذلك الوقت منبرًا للكتَّاب والأدباء المحترفين...

منذ أن بدأ نشر دراساته النقديَّة في النصف الثاني من سبعينيَّات القرن العشرين، لَفَتَ الناقدُ الأدبيّ الشاب عبد الحسين صَنْكور الأنظارَ كما لم يحصل مع الأسماء الشابَّة الأخرى. فقد تَلَقَّفَتْ كتاباتِه مجلةُ الأقلام العراقيَّة، الَّتي كانت في ذلك الوقت منبرًا للكتَّاب والأدباء المحترفين، في حين اهتمَّت مجلة «الطليعة الأدبيَّة» بكتابات الشباب الَّذين يدلفون إلى عالم الشعر والقصة والمقالات النقديَّة وحتَّى الدراسات. غير أنَّ الكاتب الشاب عبد الحسين صَنْكور حَجَزَ مكانًا بارزًا في مجلة الأقلام.

وبالمصادفة علمتُ أنَّه شقيق صديقي الأقرب «صفاء صَنْكور»، الَّذي كتب القصة وأصبح في السنوات اللاحقة من أبرز النقاد السينمائيين، ليس في العراق فحسب، بل على امتداد الساحة الفنيَّة العربيَّة. كنَّا حينها معًا في الإعداديَّة المركزيَّة ببغداد، بَيْنَما كان الناقد المتميّز عبد الحسين صَنْكور طالبًا في كليَّة الآداب، قِسم اللُّغة الإنجليزيَّة بجامعة بغداد.

بصمة نقدية مبكرة ورؤية فكرية ثاقبة

أنا شخصيًّا توقَّعتُ أن يُزاحم اسمُ الناقد البارع عبد الحسين صَنْكور كبارَ النقاد في الساحتين الثقافيتين العراقيَّة والعربيَّة، نظرًا لبدايته المتميزة؛ اختيارات دقيقة، ورؤية نقديَّة ثاقبة، وغوصٌ عميق في الأعمال الأدبيَّة الَّتي يتناولها، يُرسِل من خلالها رسائلَ متعدِّدة التوجُّه: منها ما يخصُّ الكاتب نفسه، ومنها ما هو على قدرٍ عالٍ من الأهميَّة موجَّه إلى الكتَّاب، وتحديدًا الشباب من أمثالنا.

ولذلك، فإنَّ الدراسات الَّتي ينشرها تُجبِر القارئ المتفحِّص على إعادة قراءتها مراتٍ عدَّة: مرةً لمعرفة رأيه النقدي، وأخرى لفهم العمل الَّذي تناوله، وثالثة لاستخلاص الدروس الَّتي يحتاجها الكاتب لتثبيت مرتكزات في ما يكتب، أو لتجاوز «الهَنّات» الَّتي قد لا يراها الكاتب، بَيْنَما يُمحِّصها قلمُ الناقد البارع عبد الحسين صَنْكور.

غير أنَّه لم يتواصل، واختفى من المشهد، إذ غاب سريعًا، وتبَيَّنَ أنَّ العمل الوظيفي قد «سَرَق» طاقةً نقديَّة كبيرة، فتوقَّف عن النشر سنواتٍ طويلة. كنتُ أتابع أخباره من بعيد، وفي كُلِّ مرَّة يأتي ذِكرُه أشعر كم خسرت الساحة النقديَّة والثقافيَّة العراقيَّة بتوقُّفه عن الكتابة. لكنَّه عاد قبل سنوات، وأقرأ له بَيْنَ فترة وأخرى.

وقبل أيَّام التقينا، وسُررتُ بلقائه، وزاد من فرحي أنَّه حمل معه بعض مؤلَّفاته الجديدة. ويبدو أنَّ نعمة التقاعد أعادته إلى عوالمه الإبداعيَّة. كان اللقاء بحضور الشاعر المبدع الصديق «عبد المنعم حمندي»، وكان أحد إهداءات الناقد الصديق عبد الحسين صَنْكور كتابًا بعنوان: «السرد والصورة في الخطاب الشعري ـ دراسة نظريَّة تطبيقيَّة في تجربة الشاعر عبد المنعم حمندي». أمَّا الكتاب الثاني فكان بعنوان: «في النقد التطبيقي ـ دراسات في مختارات سرديَّة عراقيَّة». أمَّا الكتاب الثالث فقد تضمَّن قصائد كتَبها الناقد بعنوان: «أنا الَّذي يقول ـ شعر».

وإلى جانب هذه المؤلفات العديدة، لم يتوقف حضور عبد الحسين صَنْكور، إذ نشر الكثير من المقالات والدراسات في الدَّوْريَّات الثقافيَّة والمواقع على الشبكة العنكبوتيَّة.

ولا شكَّ أنَّ من حَسَنات التقاعد أنَّه أعاد الروح إلى تجربة ناقدٍ متميّز، كما أنَّ من سَلبيات الوظائف أنَّها قد تُعطِّل إبداع البعض، ورُبَّما تُغلق أبوابه نهائيًّا.

وتبقى دراسةُ ورصدُ تجربةِ الناقد عبد الحسين صَنْكور بَيْنَ «حِقبتين» أمرًا في غاية الأهميَّة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *