المقدمة: من قال إن الأعلى لا يُقيَّم؟في بلاد العجائب السياسية ، لا تأتي العجائب من القوانين ، بل من العقول التي تفسّرها على مقاسها ، خرج علينا “أحدهم” مؤخراً بمقولة تستحق أن تُعلّق في متحف الغرائب السياسية» لا يحق للأدنى تقييم الأعلى«! عبارةٌ تبدو للوهلة الأولى كأنها مقتبسة من كتاب في الفلسفة الهرمية القديمة ، أو من دستور مملكة فرعونية يعبد فيها الشعب الحاكم غير أنها قيلت – ويا للسخرية – في القرن الحادي والعشرين ، في بلدٍ يُفترض أنه ديمقراطي ، يُنتخب فيه النائب بأصوات “الأدنى” الذين لا يحق لهم – حسب رأيه – أن يقيموه! . المواطن… ذلك الأدنى المزعوم:الشخص الذي يرى نفسه “أعلى” يبدو أنه نسي أن المقعد الذي يجلس عليه لم يهبطه عليه الوحي ، بل رفعه إليه المواطن الذي وقف في طوابير الانتخاب ، تحت شمس الصيف الحارقة ، ليمنحه صوته ، فهل يُعقل أن من يملك حق الرفع لا يملك حق التقييم؟! فالمنطق البسيط يقول: من “يعيّن” يحق له أن يحاسب ، أما من يعتقد أنه “أعلى من النقد” فليبحث له عن نظامٍ ملكي لا عن برلمانٍ جمهوري ، المفارقة المضحكة أن المواطن في العراق أصبح يقيّم أداء لاعب كرة القدم بدقة ، لكنه لا يستطيع – حسب منطق أحدهم – أن يقيّم أداء من يشرّع القوانين التي تحدد مصيره! برلمان الغياب… لا برلمان الشعب:إذا كان التقييم يُمنع بحجة “الفوقية” فكيف يمكن تبرير الغياب؟! لقد شهدت هذه الدورة النيابية حالات غياب متكررة ، واجتماعات تُلغى بسبب عدم اكتمال النصاب ، وأخرى تُعقد في غياب نصف القاعة ، وكأن التشريع لم يعد واجباً دستورياً بل نشاطاً ترفيهياً متى ما سمحت المزاجية! نوابٌ غابوا عن حضور الجلسات ، وتواروا عن الأسئلة البرلمانية ، وتخلّوا عن واجبهم الرقابي ، وكأنهم يؤدون عملاً تطوعياً لا وظيفة دستورية ، ثم يأتي أحدهم ليقول للمواطن : لا يحق لك أن تقيّم الأعلى منك رتبةً أو منصباً ، بل الأدهى أن بعضهم يرفض النقد الإعلامي بحجة “الهيبة” وكأن الهيبة تُصان بالتغيب لا بالحضور . الأكاديمي يقيم … والناخب لا؟في الجامعات العراقية يقيّم طلبة البكالوريوس والماجستير أداء المؤسسات الحكومية والشركات في بحوثهم العلمية ، طالبٌ في سنّ الثانية والعشرين يستطيع أن يضع مؤشرات الأداء ، ونائبٌ في الخمسين يغضب إن سأله مواطن عن غيابه! إن القول بأن “الأدنى لا يقيّم الأعلى” هو منطق مقلوب ، لأن التقييم ليس فعلاً سلطوياً بل فعلاً معرفياً ، فالأمم المتقدمة تنهض بالتغذية الراجعة والنقد البنّاء ، لا بتكميم الأفواه وإلغاء العقول. الفوقية السياسية… عقدة التاريخ لا أداة الحكم:هذه النظرة “الفوقية” ليست جديدة ، بل هي بقايا من ثقافة الاستعلاء السلطوي التي ترفض فكرة “خدمة الشعب” ، فالنائب لا يُفترض أن يكون سيداً على الشعب ، بل خادماً له – كما تقول أبسط نظريات التمثيل النيابي ، لكن يبدو أن بعضهم ما زال يظن أن بطاقة الترشيح صكّ ملكية ، لا عقد خدمة ، وحين يختلط مفهوم “الممثل” بـ”المتمكن” تضيع الحدود بين البرلمان والقصر. خاتمة وتوصيات: حين يصحّح الأدنى مسار الأعلى:إن من حقّ المواطن العراقي أن يُقيّم أداء ممثليه ، لا من باب المهانة ، بل من باب المسؤولية ، فالتقييم الشعبي هو صمام الديمقراطية ، وإذا كان بعض النواب يرى نفسه أعلى من النقد ، فليتذكر أن “الأعلى” في الحقيقة هو الوطن ، لا من يجلس تحته تحت قبة البرلمان . التوصيات:1- على المواطن أن لا يكتفي بالانتقاد بعد فوات الأوان ، بل يُحسن اختيار من يمثله ابتداءً ، بالبحث عن الكفاءة لا عن الشعارات . 2- يجب أن يدرك الناخب أن “التصويت” ليس مجاملة اجتماعية بل عقد مسؤولية وطنية . 3- على النواب أن يتذكروا أن الغياب عن الجلسات هو غياب عن ضمير الشعب ، وأنّ من لا يحضر ليدافع عن الحقوق ، لا يستحق أن يمثل أصحابها. 4- وعلى الجميع أن يعلموا أن “الأدنى” في القاموس الشعبي ليس من ينتخب ، بل من يخون الأمانة بعد انتخابه . |


