أهمية التغلب على الصراعات التاريخية فی الانتخابات العراقية 2025

أهمية التغلب على الصراعات التاريخية فی الانتخابات العراقية 2025
تستغل القوى السياسية العراقية الانقسامات الطائفية والتاريخية لتحقيق أهدافها، بينما تعاني الدولة من غياب الخدمات والتحديات التنموية. يدعو النص إلى الوحدة الوطنية، والاعتدال، وتعزيز الحوار، ورفض استغلال الدين والصراعات لمصالح ضيقة....
ما يحدث الآن في العراق ليس إعادة ظهور للخلافات القديمة بل استغلال لهذه الخلافات لتحقيق أهداف سياسية. فالسياسة لا تخلق الطائفية فقط بل تعمّقها وتوظفها حسب الحاجة.

كما هو الحال قبل كل انتخابات نيابية، تعود التحالفات والأحزاب العاملة في العراق إلى العزف على وتر الطائفية، وتعمل على استبعاد مرشحين بذرائع شتى، في وقت لم يقدم فيه النظام أي مشروع دولة محترمة، وسط انعدام شبه كامل للخدمات، وعلى الأخص الماء والكهرباء والتعليم والصحة وغيرها. وغالبًا ما يُستغل الدين لأغراض فئوية أو حزبية، ليس في العراق وحده، بل في كثير من الأنظمة العربية والإسلامية.

وقد شكّل التطرف الديني القاعدة الأكثر صلاحية لإنجاز التفكيك، وجرى تغذية السياسات “المذهبية” ضمن مشاريع إقليمية واضحة، وهو ما يتضح في نشر الدعوات المشبوهة في العديد من دول المنطقة. تمر النظم السياسية في المنطقة بمرحلة انتقالية، وتمثل إحدى الديناميكيات المتطورة للصراع على النفوذ، الذي يتمظهر في نزاعات دينية أو مذهبية، حيث تُستغل الانتماءات الفئوية والطائفية لتحقيق أهداف سياسية، وتُستخدم الهويات الدينية كأداة لتعبئة الجماهير وتشكيل تحالفات سياسية، غالبًا ما تكون على حساب الوحدة الوطنية.

إن النظر إلى الصراعات الحالية بمنظور طائفي، وإسنادها إلى خلافات دينية تاريخية، هو تبسيط مضلل لواقع الحال؛ إذ ترجع أسباب هذه الصراعات إلى طموحات وأطماع دولية، وليس إلى الخلافات الفقهية. وقد تحولت إلى حروب بالوكالة بين دول المنطقة، حيث يسعى كل طرف إلى تحقيق تنافسه الاستراتيجي في الأماكن التي انهارت فيها بعض الأنظمة، وقد استُغلت الطائفية للتحشيد والتغطية على الرغبات التوسعية لتلك الدول. وما يحدث الآن ليس إعادة ظهور للخلافات القديمة، بل استغلال لها لتحقيق أهداف سياسية. فالسياسة لا تخلق الطائفية فقط، بل تعمّقها حسب الحاجة. كثيرًا ما نشاهد أو نقرأ اجترارًا لأحداث تاريخية عفى عليها الزمن، تُستخدم لتعزيز وجهات نظر مختلفة. إن قراءة التاريخ سيف ذو حدين: إما مصدر للعبر والحكمة، أو سبب للانقسام والفرقة.

في العصر الحديث، غالبًا ما يؤدي التذكير بالنزاعات التاريخية إلى الاستقطاب، وانعدام الثقة، والانقسامات الطائفية بين المسلمين. وقد أعاقت هذه الانقسامات التقدم، وأضعفت المجتمعات المحلية، وحوّلت الانتباه عن التحديات العالمية الملحة، مثل التعليم العالي والتكنولوجيا المتقدمة كالأتمتة والذكاء الاصطناعي وغيرها.

إن تاريخ الإسلام مليء بالدروس العميقة والتعاليم الثمينة، التي ينبغي توظيفها لرأب الصدع بدل تعميق الخلاف والفرقة. يؤكد القرآن مرارًا وتكرارًا على الوحدة والأخوة بين المسلمين، يقول الله في كتابه الكريم: ﴿واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا﴾ (آل عمران)، وكذلك: ﴿إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون﴾ (الأنبياء). كما حذّر النبي محمد من الانقسامات الداخلية، قائلاً: “لا تحاسدوا، ولا تناجشوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، ولا يبع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخوانًا”.

تحثنا هذه التعليمات الإلهية على إعطاء الأولوية للوحدة على الخلاف، والتركيز على الأهداف المشتركة بدلًا من الخلافات السابقة. ومن الأهمية بمكان أن نسأل: هل تستمر هذه النزاعات التاريخية في تقسيمنا، أم يمكننا تحويل تركيزنا إلى بناء حاضر ومستقبل موحدين لهذه الأمة؟

إن سياسات دول الجوار الدينية والطائفية خطيرة، وتنمّ عن أطماع تاريخية في منطقتنا، وهي واحدة من أكبر التحديات التي تواجهنا، وتتطلب مواجهتها إعادة تنشيط المشتركات الوطنية وتعزيزها. ومن الأهمية التمسك بالقيم والأسس الفكرية التي يقوم عليها الإسلام، بدل التشرذم والفرقة، وينبغي سلوك طريق الاعتدال والتسامح وقبول الآخر.

إن للصراعات الدينية والطائفية تاريخًا أسود في أوروبا، وقد امتدت لسنوات عديدة، ولم يفلح أي طرف في تحقيق الغلبة. إن التطرف الديني والطائفي ينشئ دولًا فاشلة بكل المقاييس، نتيجة إساءة استخدام الدين أو اتباع منهجيات إيديولوجية مظللة. ويتوجب العودة إلى روح الإسلام ومبادئه الثابتة في التوحيد والسلام، والالتفاف تحت راية واحدة، والخروج من نفق المظالم التاريخية، وعدم المساواة، والتطرف، والذهاب إلى آفاق أرحب من التنمية والتعليم ومكافحة الفقر، والاستغلال العقلاني للموارد البشرية والطبيعية. وهذه كلها تحتاج إلى عقل مفتوح، بعد الخروج من التقوقع والانغلاق.

إن تحقيق أهداف الأمة وعلوّها لن يتم إلا بالوحدة، وتعزيز الحوار، والتوعية بأهمية الانفتاح على الثقافات والحضارات الأخرى، والعمل على ترسيخ ثقافة السلام والتعايش. إن البيئة الجيوسياسية المتدهورة التي نشهدها اليوم تتميز باستخدام التقنيات من أجل التفرقة والتمييز، ونشر العداوة والبغضاء بين أبناء المجتمع الواحد، وهذا المفهوم أصبح عنصرًا جديدًا من المعادلة الجيوسياسية التي فُرضت علينا.

وفي هذه الظروف العصيبة، يتوجب على الجميع تبني نهج استشرافي يؤكد على القيم الثابتة، والاحترام المتبادل، والأهداف المشتركة. إن التطرف والتعصب الطائفي أصبح يمثل إشكالية كبيرة، بعد أن ولّد فوضى وصراعات جديدة عرضت أمن ومستقبل شعوبنا للخطر. إن مسؤولية المثقفين والنخب السياسية والدينية كبيرة في هذا الصدد؛ إذ عليهم أن يوجّهوا الخطاب العام نحو البناء، لا نحو الشحن والتحريض الطائفي. فالكلمة يمكن أن تكون جسرًا للتقارب، أو وقودًا لإشعال الفتنة. والإعلام من جانبه مطالب بأن يضطلع بدور تربوي يعزز الهوية الجامعة، ويرسّخ ثقافة المواطنة الحقيقية، بعيدًا عن الاستقطاب والتضليل.

إننا أمام مفترق طرق: إما أن نستمر في اجترار الخلافات التاريخية والصراعات الطائفية التي لا طائل منها، فنمكّن الأعداء منا، أو أن نتجاوز الخلافات ونتوحد حول مشروع نهضوي شامل، يضع التعليم والبحث العلمي والاقتصاد المستدام لتحسين الدخل في صدارة الأولويات.

المستقبل لا ينتظر المترددين، ولا يرحم المنقسمين. والوحدة، والاعتدال، والتسامح، هي الركائز التي ينبغي أن نؤسس عليها حركتنا القادمة، حتى نحافظ على وجودنا، ونكون جديرين بالمكانة التي يستحقها تاريخنا المجيد وحضارتنا العريقة.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *