جوهر المشكلة العراقية

جوهر المشكلة العراقية
المشكلة العراقية جوهرها ثقافي ونفسي، حيث يُفضّل الناس الولاءات الشخصية على المصلحة العامة، ويبحثون عن الخلاص الفردي لا إصلاح الدولة، مما يجعل التغيير الحقيقي مرهونًا بتحول العقل الجمعي لا تبديل الوجوه فقط....

دعونا نضع العناوين والشعارات جانباً، ونتحدث بصراحة عن جوهر المشكلة العراقية.

فما دام التناحر بين أقطاب السياسة قائماً، وما دامت المناصب والامتيازات والمغريات هي محور التنافس، فلن تقوم للدولة قائمة. غير أن الأخطر من ذلك هو الميول الشعبي لمساندة المسؤول والتصفيق له، بل وحتى التقاتل من أجل نيل رضاه، وكأننا نعيد إنتاج نفس المنظومة التي نشتكي منها.

وللبحث عن جذور هذا السلوك، نجدها في الطمع والأمل بالحصول على مكسب مادي أو معنوي يعوض حرماناً طويلاً تركته عقود من الفقر والاضطراب. إنها أزمة نفسية جماعية قبل أن تكون أزمة سياسية، إذ يعاني الفرد العراقي من فراغ نفسي يدفعه للتعلق بالأشخاص أكثر من المبادئ، وبالرموز أكثر من المؤسسات.

فالإنسان العراقي ـ بطبعه ـ متطرف في عواطفه؛ إن أحب بالغ في الحب، وإن كره تجاوز الحدود، وإن تبع شخصاً تناسى فساده وتغافل عن أخطائه، ولا يرى فيه إلا الرضا الشخصي، غير آبه بمستقبل البلد أو مصير الأجيال القادمة.

وما يؤكد ذلك، أن العراقي حين يذهب إلى صناديق الاقتراع نادراً ما يبحث عن برنامج المرشح أو خطته لمعالجة واقع البلد، بل يبحث عن ابن العشيرة أو ابن المنطقة أو ابن الطائفة والقومية، وكأن الدم والانتماء أسبق من الكفاءة والقدرة. والأسوأ أنه لا يسائل أي مسؤول عن ما وعد به أو نفّذه من برنامجه، وكأن الوعود الانتخابية وُجدت لتُنسى لا لتُحاسب.

وهنا يكمن جوهر الخلل: نحن نبني الولاءات على العاطفة لا على المصلحة العامة، ونبحث عن الخلاص الفردي في ظل أشخاص لا في ظل دولة. ولهذا، يبقى الإصلاح الحقيقي مرهونًا بتغيير العقل الجمعي قبل تغيير الوجوه في السلطة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *