يطالبونني أن أختار واحدًا منهم وارفعة فوق اكتافي، أن أضع صوتي في صندوقٍ صنعوه على مقاسهم ليكتم انفاسي ويغلق فمي ويكسر قلمي، كي يعودوا بوجوهٍ مختلفةٍ وأقنعةٍ سوداء جديدة فيقتسموا السرقات ، لكن بذات الجشع والنهب والصفقات.
يريدون أن أصدق أن صوتي سيغيّر سيغير حالي ويعيد لي وطن مضغوه ، وأنهم أبناء هذا التراب، بينما كلّ ما فيهم مستعار:
ضمائرهم، وولاؤهم، وحتى ابتساماتهم في مواسم الانتخابات.
يطالبونني أن أنتخب كي يسرقوا أموالي ويصادروا مستقبلي، ثم يجعلوني أعيش تحت رحمتهم مواطن غريب في وطن ، أرتجي سكرا من حنظل وابحث بين انيابهم عن حقي وكأنّني أطلب تصدقهم لا حقًّا.
يريدون لي أن أبني الجسور ليعبروا فوقها بسياراتهم الفارهة، وأن أزرع الأرض ليحصدوا خيراتها، وأن أعمل ليلًا ونهارًا لأدفع لهم ضرائب الهواء والماء والنور.
يبيعون كل شيء: النفط والموانئ والصحارى، و الجبال والأنهار، حتى كرامة الفقراء صارت في مزادهم السياسي.
وحين يشبعون من النهب وياليتهم يشبعون ، يعودون إلى قصورهم يرقصون في لياليهم الملوّنة، بينما نحن نحسب ما تبقّى من الخبز ونجمع الفتاة قبل أن يأتي الغد.
فلهم الوطن بخيراته، ولي الوطنية التي لا تُطعم خبزًا ولا تحفظ كرامة.
لهم المناصب والمواكب، ولي وجع السؤال في طوابير الكهرباء والماء والوظيفة.واحمل
هم يحتفلون بالمنجزات الوهمية، ونحن ندفن أحلامنا بصمتٍ ونواصل العيش في انتظارٍ لا نهاية له.
لكن رغم كل شيء، سيبقى فينا ما لا يُشترى ولا يُسرق:
إيمانٌ بأن الوطن ليس حفنة ترابٍ تُقسَّم بين طوائف السياسيين وحانات السياسة، ولا صفقةً تُدار في العتمة.ولا اموال تعلق فوق اجساد العارين في عتمة الليل الذي طال،
الوطن روحٌ تسكننا، وإن سرقوه من أيدينا، فلن ينتزعوه من قلوبنا.
نعم، لهم الوطن كما يريدونه غنيمةً،
ولي الوطنية كما أراها عهدًا لا ينكسر،
وعلّي، وإن جاع بطني وتعبت قدماي، أظل أصرخ في وجههم:
“الوطن ليس ملككم… ولن يكون يومًا من أملاك اللصوص.”


