ان الانتخابات البرلمانية التي سوف تجري في الحادي عشر من تشرين الثاني لعام 2025 محطة مفصلية في مسار التحول الديمقراطي منذ عام 2003، وتعد اختبار لمدى وعي الفرد العراقي وقدراته على تجاوز الولاءات الضيقة باتجاه اختيار البرامج الانتخابية الواقعية والأشخاص الوطنية ذات الكفاءة العالية، وفي ضل ما يشهده العراق من تحولات سياسية واقتصادية واجتماعية تبرز الحاجة الى وضع معايير دقيقة تحدد شكل المشاركة للفرد العراقي في عملية الانتخابات البرلمانية بما يضمن المشاركة المسؤولة والفاعلة لا المدفوعة بالعاطفة او المصالح او الانتماءات الطائفية والقبلية.
الوعي الانتخابي و أثره في تعزيز المشاركة الديمقراطية في العراقعلى الفرد ان يفهم الاطار القانوني الذي تجري فيه الانتخابات في العراق، حيث يخضع النظام الانتخابي العراقي لقانون الانتخابات رقم (12) لسنة (2018) من حيث تأهيل المرشحين وتحديد مواعيد الانتخابات ومواجهة الدعايات الغير نزيهة وتوظيف المال السياسي ومواجهة التأثيرات الطائفية، مما يدعوا المفوضية العليا للانتخابات من منع الاشخاص اللذين ارتكبوا أعمال عنف او قمع او تحريض على الكراهية والطائفية او ممن لديهم قضايا فساد او جنح مخلة بالشرف او ممن لديهم محتوى اعلامي هابط، من الترشح لخوض الانتخابات، وهذا ما يمنح الفرد القدرة على المشاركة الواعية باعتباره جزء من العملية الانتخابية. هنالك العديد من المعايير الفردية للمشاركة الفاعلة للمواطن العراقي في الانتخابات البرلمانية التي من شأنها ان تنمي مشاركة المواطن في الانتخابات، أهمها الوعي والمعرفة من خلال فهم النظام الانتخابي وإدراك آلية الانتخاب سواء من خلال تسجيل البطائق البايومترية او فهم دوائر الانتخاب هل هي أحادية او متعددة داخل المحافظة الواحدة، والقوائم الحزبية او كيفية احتساب الأصوات التي تتشكل من خلالها مقاعد كل محافظة او المقاعد البرلمانية بشكل عام، لان ضعف الفهم لهذه الآلية سيؤدي الى الانعكاس السلبي على العملية الانتخابية بشكل خاص والعملية السياسية بشكلها الكلي، من خلال سهولة التأثير على قرار المواطن من قبل الأحزاب والقوى السياسية سواء بعمليات الضغط الإعلامي او الشعارات البراقة، وكذلك يتوجب على المواطن الاطلاع على البرامج الانتخابية الواقعية سواء للأحزاب السياسية او للمرشحين أنفسهم. وهذا ما يوجب على المواطن ان يسعى لمعرفة وعي القوى السياسية من خلال برامجها الانتخابية ومدى امكانياتهم العلمية والعملية في الارتقاء بقوانين وآليات المجلس التشريعي، والتي من شأنها ان تدفع عربة التطور نحو الامام، كما على المواطن ان يعي ويدرك جيداً المخاطر الانتخابية كـ الاستقطابات الطائفية او الضغط الإعلامي او تأثير المال السياسي او التزوير او استخدام النفوذ والسلطة او التعاطي مع المرشحين المستبعدين قانونياً والتي أعلنت عنهم المفوضية العليا للانتخابات وقد تراوح عددهم اكثر من (837) مرشح، لعدم استيفائهم المعايير القانونية والأخلاقية، والتأكيد على المبادئ والأخلاق الانتخابية من خلال الاختيار المسؤول بناءً على معيار الكفاءة والخدمة والادراك لدى المرشح، بعيداً عن المصلحة الشخصية او القبلية او الطائفية المقيتة، وهذا ما يدعونا للتأكيد على المفوضية العليا للانتخابات للتأكد من أهلية المرشحين على أساس الالتزام بالقواعد القانونية والأخلاقية ومبادئ الديمقراطية، والابتعاد عن الرشاوى الانتخابية أي ان يكون صوت المواطن حراً لا يباع ولا يشترى لآن فساد المال السياسي من شأنه ان يهدد شرعية العملية الانتخابية، كما على المواطن العراقي ان يحترم اختيار الآخر وان يدرك ان الانتخابات ليست حرباً، ويكون ذا سلوك أخلاقي في النقاشات العامة بعيداً عن القوة او التهديد او الضغط على الاخرين، فالجميع احرار في اختياراتهم سواء في المشاركة بالانتخابات او المقاطعة او عملية انتخاب تلك القائمة او هذه. للمجتمع العراقي خصوصية في معايير الانتخاب يجب ان تأخذ بعين الاعتبار بما يتلائم مع الواقع، فان المجتمع العراقي لايزال متأثراً بالعامل الطائفي والقبلي بشكل ملحوظ، وقد تستخدم هذه العوامل كأداة انتخابية يرتكز عليها بعض المرشحين او القوائم السياسية، وان معيار الوعي للمواطن العراقي يجب ان يتضمن الكفاءة والمصلحة العامة لا الاختيار الطائفي او القبلي، كما وعلى المواطن العراقي ان يتقبل التدرج في العمليات الانتخابية لا المثالية، والتي قد لا نصل الى نظام انتخابي وديمقراطي مثالي في هذه المرحلة او المراحل الانتخابية المقبلة بوقت زمني متوسط، لكن المشاركة في العملية الانتخابية مهمة جداً للتغيير التدريجي نحو المثالية، لان الجدوى من الانتخابات في المجتمعات الديمقراطية الناشئة لا تبني دولة حقيقية لكنها ضرورية للوصول عبر الزمن لبيئة ديمقراطية مثالية. المواطنة الفاعلة كركيزة لبناء ديمقراطية وطنية في انتخابات العراق 2025المواطن في العراق يواجه تحديات كبيرة على مستوى الخدمات والبطالة والبيئة الأمنية الغير مستقرة، لذا معيار المشاركة الفاعلة في الانتخابات يجب ان يكون لتحسين الواقع ومراعاة الجوانب الاقتصادية والاجتماعية، كما ان المجتمع العراقي معقد ومتعدد الطوائف والاعراق والقوميات لذا ان المشاركة الفاعلة يجب ان تدعم روح الحوار والتقارب الوطني. ان هذه المعايير مهمة للمشاركة الفاعلة في الانتخابات البرلمانية لعام 2025 لأنها تحول المواطن من متفرج الى فاعل سياسي يمتلك وعي وقرار وطني، وتدعم بناء برلمان يستند الى الكفاءات وينظر بعين المصلحة الوطنية بعيداً عن الولاءات الطائفية او القبلية، وتساهم في دعم شرعية الانتخابات ومقبولية ما تفرزها من نتائج التي يشارك فيها المواطن بوعي واخلاق، تسهل بعد ذلك عملية الرقابة والمحاسبة، وتحفز المواطنين على ثقافة المشاركة السياسية الفاعلة لا التصويت المجرد والشكلي، بل خيارات واعية ووطنية لمرشحين ذو كفاءة ومهنية بشكل مدروس يتجه نحو تغيير حقيقي وبناء عملية ديمقراطية مثالية. ان مشاركة الفرد العراقي في انتخابات 2025 ليست دعوة لمشاركة شكلية بل هي اختيار مسؤول وفاعل، وهذا ما يوجب على المواطن ان يكون واعياً وفعالاً في الواقع العراقي ذو اخلاق انتخابية وهذا ما ينتج عنه برلمان حقيقي وقادر على تحقيق التغيير، وان النظام الانتخابي والقوانين هي أدوات لكن أهم أداة هي (المواطن الفاعل)، والتزامه بهذه المعايير يعزز من فرصة مسار الانتخابات المثالي والوطني العابر للطائفية والقبلية والمصلحة الشخصية لبناء عراق أفضل. |


