| يُعدّ نمط الاقتصاد من أبرز المحددات التي تؤثر في بنية الدولة والمجتمع، إذ يرتبط نوع النظام الاقتصادي ارتباطًا وثيقًا بطبيعة العلاقات السياسية والاجتماعية ومؤسسات الحكم. ومن بين النماذج التي تناولها الفكر الاقتصادي والسياسي المعاصر، برزت ثنائية “الدولة الريعية” و”الدولة الإنتاجية” بوصفها تمثل فرقًا جوهريًا في فلسفة إدارة الثروة وتوزيعها، وفي آليات بناء الدولة الحديثة. وتمثل الحالة العراقية مثالًا واضحًا لتجليات الدولة الريعية في المنطقة العربية، وما نتج عنها من آثار على الاقتصاد والمجتمع والسياسة ، واظهرت بوضوح اتساع الفجوة بين المواطن والدولة، ومما انتج عنها هشاشة الديمقراطية.
ولكي نفهم لماذا تتطور بعض الدول بسرعة بينما تتعثر أخرى، علينا أن ننظر إلى نوع اقتصادها. فهناك دول تبني ثروتها من العمل والإنتاج، وأخرى تعتمد على الريع والموارد الطبيعية. هذا الفرق يصنع الفارق في طريقة إدارة الدولة والمجتمع معًا. لناخذ المفاهيم الاسياسية للدولة الريعية والدولة الانتاجية:أولاً: مفهوم الدولة الريعية وخصائصهاالدولة الريعية هي تلك التي تعتمد في إيراداتها العامة على الريع الخارجي المتأتي من الموارد الطبيعية أو مصادر مالية غير ناتجة عن الإنتاج المحلي، مثل صادرات النفط أو المساعدات أو الرسوم أو على تحويلات مالية من الخارج، وليس على الإنتاج المحلي أو الضرائب. ويُعدّ الاقتصادي حازم الببلاوي من أبرز من صاغوا مفهوم الدولة الريعية في الثمانينيات، مشيرًا إلى أن هذا النمط الاقتصادي يولّد بنية اجتماعية وسياسية تتسم بالاتكالية وضعف الإنتاج. نتيجة ذلك، تصبح الدولة هي الممول الأكبر لكل شيء، من الوظائف إلى الخدمات، فيضعف الإنتاج . تتميز الدولة الريعية بعدة سمات، أبرزها:1.أحادية الاقتصاد القائم على مورد واحد مثل النفط. 2.ضعف القاعدة الضريبية مما يؤدي إلى غياب المساءلة بين الدولة والمواطن. 3.هيمنة الدولة على الثروة والتوزيع واعادة توزيعها عبر الوظائف والدعم بدلًا من تشجيع القطاع الخاص. 4.تضخم الجهاز البيروقراطي واعتماد المواطنين على التوظيف الحكومي. 5.هشاشة المؤسسات الديمقراطية بسبب غياب المشاركة الفعلية للمجتمع المنتج. 6.ضعف القطاعات الإنتاجية: الصناعة والزراعة تكون مهمّشة. 7.انتشار البيروقراطية والفساد: بسبب الريع السهل الذي يقلل من الحاجة إلى الكفاءة والإنتاج. ثانياً: مفهوم الدولة الإنتاجية وخصائصهافي المقابل، تقوم الدولة الإنتاجية على تنويع مصادر الدخل من خلال الزراعة والصناعة والخدمات، وتعتمد على الضرائب كمصدر رئيسي للإيرادات. تنشأ بذلك علاقة متبادلة بين الدولة والمجتمع تقوم على المساءلة والمشاركة. المواطن يعمل ويدفع ضرائب، فيصبح شريكًا في صنع القرار. لذا هذا النوع من الدول تمتلك اقتصادًا متنوعًا، ومؤسسات قوية، ومجتمعًا نشطًا يشارك في التنمية. تتسم الدولة الإنتاجية بما يلي:1.اقتصاد متنوع ومستدام قائم على المعرفة والابتكار. 2.مؤسسات قوية وشفافة تعتمد الكفاءة بدل الولاء. 3.عدالة توزيع الدخل من خلال العمل والإنتاج. 4.دور فاعل للمجتمع المدني والقطاع الخاص في صنع القرار. 5.تنوع اقتصادي: الزراعة، الصناعة، والخدمات تشكل ركائز الدخل. 6.علاقة متبادلة بين الدولة والمجتمع: المواطن يدفع الضرائب ويطالب بالخدمات والمساءلة. 7.تحفيز الابتكار والعمل: الدولة تشجع الإنتاج والتنافسية. 8.استقلال القرار الاقتصادي والسياسي: لأن الدولة لا تعتمد على مورد خارجي واحد. ثالثاً: الأثر المتبادل بين النموذجين وبناء الدولة والمجتمعيؤثر النمط الاقتصادي على طبيعة العقد الاجتماعي. ففي الدولة الريعية، يغيب الارتباط المباشر بين المواطن والدولة بسبب ضعف النظام الضريبي، مما يؤدي إلى غياب ثقافة المساءلة والمطالبة بالإصلاح، وتنامي النزعة الاستهلاكية والاعتماد على الدولة، بمعنى تنتج مجتمعًا اتكاليًا يميل الى انتظار الريع بدل العمل واضعاف روح المبادرة. فيما تضعف المشاركة السياسية لأن المواطن لا يضغط على الدولة طالما يتلقى منها منافع.مما يسبب الى انقسام اجتماعي بين من يحصل على الريع ومن يُقصى عنه. واثرها على البنية السياسية من خلال تكريس المحاصصة وضعف الشفافية، وارتباط الولاءات بالمنافع المالية أكثر من الانتماء المؤسسي. بينما في الدولة الإنتاجية، يسهم النظام الضريبي والإنتاجي في بناء مواطن مسؤول ومشارك، ويعزز شرعية الدولة من خلال الإنجاز الاقتصادي والعدالة في توزيع الفرص. بناء مؤسسات قوية: لأن المجتمع يشارك في صياغة القرار. ونمو الطبقة الوسطى: وهي أساس الاستقرار والتنمية. وثقافة العمل والمسؤولية: تغلب على ثقافة الاتكال. لذا تبني مجتمعًا مسؤولًا، يسهم في بناء الوطن من خلال العمل، ويطالب بالإصلاح لأن دخله مرتبط بجهده. الخاتمة:تُظهر المقارنة بين الدولة الريعية والإنتاجية أن مسار التنمية المستدامة لا يمكن تحقيقه دون بناء اقتصاد منتج ومجتمع فاعل. إن التجربة العراقية تبرز بوضوح المخاطر التي تترتب على الاعتماد على الريع، في حين تمثل الدعوة إلى التحول نحو الإنتاج والابتكار ضرورة وجودية لبناء دولة قوية ومجتمع متماسك. فالدولة الإنتاجية ليست مجرد خيار اقتصادي، بل هي مشروع حضاري يرسخ قيم العمل والمواطنة والعدالة. الفارق بين الدولة الريعية والإنتاجية لا يقتصر على الاقتصاد فقط، بل يمتد إلى شكل المجتمع نفسه. فحين تنتج الدولة مجتمعًا يعمل ويبدع، فإنها تبني نفسها من الداخل. أما حين تكتفي بتوزيع الريع، فإنها تضعف مؤسساتها ومواطنيها معًا. إن مستقبل العراق، كما مستقبل أي دولة ريعية، يعتمد على قدرته في تحويل ثرواته من “ريع” إلى “إنتاج”، ومن “استهلاك” إلى “بناء”. |
