تشرين من الحلم إلى الانقسام: الحراك الذي ضيّع بوصلته قبل أن يصل إلى البرلمان

تشرين من الحلم إلى الانقسام: الحراك الذي ضيّع بوصلته قبل أن يصل إلى البرلمان
يرصد النص مسار قوى تشرين من الساحات إلى البرلمان وكيف انتهى بخيبة؛ تفكك تنظيمي وغياب قيادة وبرنامج، تبدل الشعارات إلى مساومات ومناصب، وتراجع الثقة الشعبية، مع تحذير من فشل انتخابي ما لم يتوحد مشروع واقعي....

من الشارع إلى مقاعد البرلمان… الطريق الذي انتهى بخيبة

حين خرج الآلاف من الشباب العراقيين إلى ساحات الاحتجاج في خريف 2019، حملوا شعاراتٍ تُلهب الوجدان الوطني: نريد وطناً، نريد عدلاً، نريد دولة.

لكن ما بين الساحات وصناديق الاقتراع، ضاع الحلم وتبعثرت الراية.

فبعد أن فُتحت الأبواب أمام قوى “تشرين” لدخول العملية السياسية، جاءت التجربة الانتخابية باهتة ومخيبة للآمال، لتكشف هشاشة البناء التنظيمي وضعف الرؤية السياسية لمن تصدّروا المشهد.

“تشرين التي وعدت بإسقاط المنظومة، سقطت هي في أول امتحان للسلطة.”

شعارات كبيرة… ونتائج صغيرة

تعددت الكيانات التي ترفع شعار “تشرين” حتى تجاوزت العشرات، وكل واحدة منها تدّعي تمثيل الحراك.

هذا الانقسام أفقدها ثقة الجمهور الذي لم يرَ مشروعاً واضحاً، بل وجد نفسه أمام فوضى شعارات وأسماء بلا مضمون.

وفي الوقت الذي دخلت فيه بعض الشخصيات المدنية البرلمان تحت لافتات التغيير، تاهت تلك الشخصيات بين الخلافات الداخلية والمصالح الشخصية.

تحوّلت حركة “امتداد” ـ التي كانت واجهة تشرين السياسية الأبرز ـ إلى ساحة صراع بين قياداتها، وتبادلت الاتهامات عبر الإعلام، حتى أصبحت مثالاً على فشل الحراك في إدارة ذاته.

المال والمناصب يفسدان الحلم

ما إن لامست بعض قوى تشرين مقاعد البرلمان حتى بدأت تتكشف التناقضات.

شخصيات كانت تتحدث عن “إسقاط النظام” أصبحت اليوم جزءاً من معادلاته، تشارك في المفاوضات وتساوم على المناصب.

هكذا تلاشت صورة “الثائر النزيه” لتحلّ محلها صورة “السياسي الباحث عن فرصة”.

مصدر سياسي قال لـ”الصحيفة”:

“مشكلتهم ليست مع الأحزاب فقط، بل مع أنفسهم. لم يتعلموا أن السياسة تحتاج تنظيماً لا ضجيجاً، وبرنامجاً لا تغريدات.”

غياب القيادة… وشتات الرؤية

أكبر عيوب القوى المدنية هو افتقارها إلى قيادة موحدة وبرنامج متماسك.

لم تستطع تأسيس جبهة واضحة المعالم، ولا حتى تحديد أولويات واقعية.

من يريد أن يحكم، لا يمكن أن يكتفي برفع شعارات إسقاط الآخرين.

ومن يريد التغيير، عليه أن يقدّم نموذجاً مختلفاً في الأداء، لا نسخة مصغّرة من الفوضى التي ينتقدها.

اليوم، حين يُذكر اسم تشرين، تتباين الآراء بين من يراها “انتفاضة وعي” وبين من يصفها بأنها “فرصة ضائعة”.

فهي حراك نبيل في بدايته، لكنه تآكل من الداخل بفعل الغرور السياسي وغياب النضج التنظيمي.

الشارع فقد ثقته… والناس ملّت الوعود

بعد مرور ست سنوات على انطلاق تشرين، لم يعد المزاج الشعبي كما كان.

الكثير من المواطنين يرون أن الحراك الذي بدأ بوطنية عالية انتهى إلى خلافات صغيرة ومواقف انتقامية.

حتى القواعد الشبابية التي شكلت العمود الفقري للتظاهرات باتت تشعر بالإحباط، بعدما رأت أن ممثليها في البرلمان لم يختلفوا كثيراً عن الطبقة التي كانوا يهاجمونها.

“لقد خسروا الشارع قبل أن يربحوا الانتخابات.”

— تعليق لمواطن من ذي قار.

الانتخابات المقبلة… طريق محفوف بالفشل

كل المؤشرات تدل على أن القوى المدنية ستدخل الانتخابات المقبلة وهي في أضعف حالاتها.

لا تحالفات راسخة، ولا موارد مالية، ولا قيادة موحدة، ولا حتى ثقة شعبية كافية.

وإذا بقيت بهذا التشتت، فستتحول من مشروع تغيير إلى مجرد ظاهرة انتخابية مؤقتة، تُستعمل لملء الفراغ الإعلامي لا أكثر.

تحليل سياسي حديث أشار إلى أن فرص الحركات المدنية في الفوز بمقاعد مؤثرة لا تتجاوز العشرات، ما لم تُقدّم تحالفاً موحداً ورؤية واقعية لإدارة الدولة.

الخلاصة: الثورة التي أكلها الطموح الشخصي

قصة تشرين ليست قصة فشل سياسي فقط، بل قصة خيانة للأمل الشعبي.

الذين حملوا راية الوطن سقطوا في اختبار السلطة، والذين هتفوا ضد الفساد تاهوا في صفقات المناصب.

لقد أثبتت التجربة أن الثورات حين تتحول إلى حملات انتخابية بلا وعي، فإنها تفقد روحها وتتحول إلى رقمٍ هامشي في دفاتر السياسة.

“العراق لا يحتاج إلى نشطاء غاضبين، بل إلى رجال دولة شجعان.”

ختاماً

القوى المدنية التي وُلدت من رحم تشرين تقف اليوم أمام مفترق طرق:

إما أن تعيد بناء نفسها بصدقٍ ومسؤولية، أو تودّع المشهد السياسي نهائياً.

فالناس لم تعد تصدّق الكلام الجميل، ولا تصبر على الوجوه المتناقضة.

لقد سقطت شعارات “نريد وطناً” في أول امتحان للواقعية السياسية، وبات الحراك المدني بحاجة إلى ما هو أعمق من الغضب… بحاجة إلى مشروع دولة حقيقي.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *