الحكومة العراقية تستنزف أموال النظام المصرفي العراقي بقروضها المتعاظمة وتحرم قطاعات اقتصادية مهمة من حقها في الاقتراض والوصول للسيولة، وتساهم في إضعاف وتقييد الاقتصاد العراقي!
الواضح في ملف الديون العراقية هو تزايد الدين الداخلي بسبب استمرار الاقتراض الحكومي، في مقابل انخفاض الدين الخارجي بشكل تدريجي نتيجة الالتزام بالسداد للمقرضين الدوليين!
تزايد الدين الداخلي الحكومي
هذه الحالة لها دلالات عدة، أهمها ان الحكومة العراقية قد زادت من اعتمادها على الاقتراض المحلي والإبتعاد عن القروض الدولية لعدم قدرتها بشكل كاف على تلبية متطلبات وشروط المقرضين الدوليين ونسب الفائدة العالية بسبب التصنيف الإئتماني المتدني للعراق!
لكن ان تكون الحكومة هي المقترض الأكبر من القطاع المصرفي العراقي فهذا توجه يجفف السيولة المتاحة لدى المصارف ويحرم القطاعات الاخرى من فرص الاقتراض لتحريك الاعمال ورفد الاقتصاد بموارد وعوائد ضرورية للغاية!
المشكلة ان تلك القروض للحكومة لا تذهب للتنمية الاقتصادية او تمويل قطاعات حيوية مهمة، بل تذهب معظمها لتسديد فاتورة الرواتب والإعانات وباقي أبواب الصرف غير المُدِرّة للعوائد!
تأثير القروض على القطاع الخاص
بمعنى آخر، ان هناك أموال كانت جاهزة لدى المصارف لاقراض القطاع الخاص وقطاع الأعمال، لكن الحكومة بدلاً من ان تفسح المجال لتلك القطاعات للإقتراض، إتجهت لمنافستها وسحبت تلك الأموال لصالحها وضيقت الخناق مالياً عليها وقلصت كثيراً من فرص حصولها على القروض لاستمرارها او توسيع أعمالها!
هذا بطبيعة الحال يعتبر استنزاف خطير لموارد مالية حيوية ذهبت باتجاهات غير مستدامة، تم فيه تجيير قدرات النظام المصرفي المالية لخدمة متطلبات الحكومة بدلاً من أن تكون في خدمة قطاع الأعمال والصناعة والتنمية المولدة للعوائد والوظائف!
النتيجة لذلك هو تباطؤ في نمو المشاريع الخاصة والاستثمار الإنتاجي والخدمي، واستمرار الاعتماد على الحكومة كمصدر رئيسي للتمويل والوظائف، وتحول المصارف إلى أدوات تمويل حكومي أكثر من كونها مراكز لتمويل النشاط الاقتصادي!
الحكومة العراقية ليست وحدها الملامة على هذا الوضع المالي البائس، بل يقع اللوم الأكبر على المنظومة السياسية والمسلحة الداعمة والراعية للحكومة!
والتي وبسبب متطلبات تلك الجهات المستمرة وفرض إرادتها على عمل الحكومة، ساهمت وبقوة في حرف بوصلة العمل الحكومي بشكل خطير، مما خلق أمامنا هذا التشوه المالي وسوء التخطيط والتنفيذ الحكومي!
من الضروري إعادة النظر في إدارة الدين الداخلي ووضع آليات واضحة للرقابة على الاقتراض الحكومي، لضمان ألا تتحول المصارف إلى أدوات حكومية فقط. كما يجب حماية السيولة المتاحة للقطاع الخاص وتمكينه من الحصول على التمويل اللازم للنمو والاستثمار. هذا من شأنه تعزيز الاقتصاد الوطني وتقليل الاعتماد على القروض الحكومية المتزايدة.
وطالما بقيت تلك الأطراف تمارس نفس الدور وتفرض متطلباتها الخاصة على الحكومة دون الاهتمام لمتطلبات الاقتصاد العراقي ودون مراعاة لخطورة ما تقوم به، فإن التدهور المالي سيستمر وحجم الدين والعجز سيتوسع!
وحينها قد تصل الأمور الى ان ينهار السقف على رؤوس الجميع، ولن يكون ساعتها اي مجال للندم او التراجع!


