اقتصاد الدموع: حين يصبح الحنين عملة رمزية

اقتصاد الدموع: حين يصبح الحنين عملة رمزية
يشير النص إلى تحوّل العالم من اقتصاد الإنتاج إلى اقتصاد المعنى، حيث تصبح الرموز والبيانات والذكريات رأس مال جديد، وتتحول التجربة الإنسانية إلى مورد اقتصادي في زمن الحداثة السائلة ورأسمالية المراقبة....

اغتراب في اقتصاد المعنى

لم أجد يومها تفسيرا لتلك الدهشة التي باغتتني وأنا أطأ أرض مطار عملاق في أميركا الشمالية قبل أكثر من أربعة عقود. كانت أصوات الأطفال المودعين لبلاد الرافدين تملأ الأجواء ببكاء متقطع يشبه النداء الأخير، وقلوب صغيرة تتشبث بدفء الجدات في بلادي قبل أن يسحبها الواقع البارد إلى مصير بعيد.

هناك ، و وسط ضجيج المطار ووجوه العابرين، شعرت بأن العالم قد تفكك إلى رموز ومعان تنتظر من يلتقطها ليعيد ترتيبها في ذاكرته.

في تلك اللحظة، لم أكن أعرف بعد اسم زيغمونت باومان Zygmunt Bauman، الفيلسوف البولندي البريطاني الذي سيقلب لاحقا تصوراتنا عن العالم في كتابه المسمى الحداثة السائلة Liquid Modernit لكنني أحسست بما سيقوله لاحقا أن الاقتصاد لم يعد صلبا كما كان في زمن الصناعة، بل صار سائلا، تتدفق فيه القيم وتتحول المادة إلى رمز، والعمل إلى تجربة ورأس المال إلى معرفة وثقافة. لم تعد الأسواق أسواق سلع وخدمات، بل فضاءات لتداول المعاني والإدراك . اذ يرى باومان أن العصر الحديث قد فقد صلابته، وأن الإنسان يعيش اليوم في زمن المعاني العائمة ، حيث يقاس النجاح لا بما تملكه من مادة، بل بما تخلقه من رموز وتجارب وشبكات وهي نفس الفكرة الجوهرية التي تقف وراء ما تسميه اقتصاد المعنى. كانت أيام اعترابي الأولى قاسية كصقيع داخلي طويل. فالأطفال يذرفون دموعهم على وداع الجدات ونحن نكتشف أن الجذور التي تحملها ليست سوى صدى بعيد في فضاء جديد.

ومع الأيام، حين بدأت أفك رموز الحياة الجديدة، أدركت جوهر فكر بيير بورديو. لقد حول بورديو المعنى نفسه إلى رأس مال، ورأى أن السوق الرمزي والثقافي لا يقل شأنا عن السوق المادي. وهكذا ولد ما نعرفه اليوم بـ اقتصاد المعنى بشكل اعمق حيث القيمة لا تقاس بالمادة وحدها، بل بافي اليوم التالي، قصدت مكتبة الجامعة باحثًا عن كتاب ملامح نظرية للممارسة بيير بورديو

Outline of a Theory of Practice 1977 Pierre Bourdieu

سألني أمين المكتبة عن أصلي، فقلت له بابتسامة متعبة: من أرض ما بين النهرين، حيث ابتدأ الإنسان أول رحلة في صناعة المعنى.” ابتسم الرجل وقال: الكتاب سيصل بعد أيام.”

مرت الأيام ببطء ثقيل، وحين عدت لاستلام الكتاب، سألني عن حالي أجبت بطريقتنا الشرقية المتفائلة: كل شيء على ما يرام جداً .” ابتسم هو الآخر وقال: “.Not too bad عندها أدركت أن اللغة ليست وسيلة تواصل فقط، بل نظام ثقافي كامل.فعبارة ليس سيئا جدا” لا تعنى محدودية الرضا، بل تواضعًا في التعبير، وذكاء في الاقتصاد اللغوي للمعنى. ومع أولى صفحات الكتاب انفتحت أمامي عوالم بورديو الثرية كيف ينتج الأفراد المعنى الاجتماعي للذوق من خلال أنماط الاستهلاك، وكيف تتحول الثقافة إلى سوق رمزي تحكمه قواعد الاعتراف أكثر مما تحكمه الأسعار. ففي هذا العالم، ليست الموسيقى أو الأزياء أو الفن مجرد سلع، بل رموز تحدد مواقعنا في الحقل الثقافي.

ثم وجدت نفسي أمام فيلسوف اخر وهو ، جان بودریار ( Jean Baudrillard عالم الاجتماع الفرنسي، يومها عد بودريار أحد أبرز مفكري ما بعد الحداثة، وارتبط اسمه بمفاهيم مثل المحاكاة (Simulation) وهي النسخة المفرطة عن الأصل (HyperReality) و تشييء المعنى وتحوله إلى سلعة.

اذ يرى بودريار أن العالم المعاصر لم يعد يعيش الواقع” كما هو ، بل يعيش “صور الواقع” أي أننا أصبحنا نستهلك الرموز والمعانى بدل الأشياء الحقيقية. فالإعلانات، والإعلام، والعلامات التجارية، تصنع عالماً من الصور الزائفة التي تحل محل الحقيقة.

لتجربة، والانتماء، والرمز

كما يرى أن المعاني تستهلك كما تستهلك السلع، وأن الواقع نفسه صار يدار بمنطق السوق الرمزي، حتى بتنا نعيش تضخما في المعاني يشبه التضخم النقدي.

لم تعد الشركات تبيع القميص، بل رمزية الاسم الذي يحمله. وتذكرت الفيلم السينمائي الشهير The Matrix الذي يناقش فلسفة بودريار في كيف تحوّل الاستهلاك إلى وسيلة لتشكيل الهوية الاجتماعية لا لتلبية الحاجات فقط !

عند هذه النقطة، أدركت ايضا أن اقتصاد المعنى ليس منظومة اقتصادية فحسب، بل نظام لغوي وفلسفي أيضا. فمن منظور فلسفة اللغة امثال سوسير، فوكو، دريدا، ليوتار)، المعنى ليس ثابتا، بل يتولد داخل شبكة من العلاقات ويتحرك وفق منطق الندرة والتداول. كما أن الكلمات تتبادل قيمها كما تتبادل العملات قيمها في السوق النقدي.

أما النصوص والأفكار، فهي سلع فكرية تتحرك عبر الزمن والثقافة، قابلة لإعادة التأويل والاستهلاك. وعند دريدا المعنى لا يستهلك تماما؛ إذ تبقى منه بقية او أثر رمزي trace يشبه “فائض القيمة” في الاقتصاد الماركسي.

لقد انتقل العالم اليوم من اقتصاد الإنتاج إلى اقتصاد المعنى.

الشركات تبيع القصص لا المنتجات

والدول تتنافس بالقوة الناعمة لا بالقوة الخشنة والمنصات الرقمية تدير أسواقا للانتباه والمعنى حيث يصبح الترند” هو السعر اللحظي للرمز ، ليظهر لنا بعد سنوات عالم راسمالية المراقبة Surveillance Capitalism الذي يتغول إلى نمط جديد من الرأسمالية يقوم على جمع البيانات الشخصية وتحليلها واستثمارها لتحقيق الأرباح والسيطرة السلوكية, حيث صاغت المصطلح الباحثة الأمريكية شوشانا زوبوف (Shoshana) Zuboff) في كتابها الشهير :

The Age of Surveillance Capitalism 2019  (عصر رأسمالية المراقبة) اذ ترى زوبوف أن هذا الشكل الجديد من الرأسمالية نشأ مع صعود شركات التكنولوجيا الكبرى مثل

Microsoft Apple Amazon Facebook ، Google  التي حولت البيانات الشخصية للمستخدمين إلى سلعة تستخرج وتحلل وتباع للمعلنين أو تستخدم للتأثير في السلوك البشري.

انها رأسمالية المراقبة، لا تبيع منتجات مادية، بل تبيع تنبؤات عن سلوك الإنسان. فالخطوات الأساسية هي:

استخراج البيانات من كل نشاط رقمي ، كالتصفح، والمواقع و الصور، والأصوات، والتفاعلات. ثم تحليلها بالخوارزميات بغية فهم التوجهات النفسية والعاطفية والاجتماعية. و التنبؤ بالسلوك عبر بناء نماذج دقيقة لما سيفعله المستخدم مستقبلاً. وأخيراً ، توجيه السلوك والتحكم فيه من خلال الإعلانات والأخبار المخصصة، أو حتى تحريك الرأي العام.

قلت في سري ان راسمالية المراقبة او الاستطلاع ما هي الا الاستعمار الجديد للعقل، أو بالأحرى الإمبريالية الوظيفية Functional Imperialism  حيث تتحول التجربة الإنسانية إلى مورد اقتصادي قابل للاستخراج والتنبؤ بل هي المورد الريعي الجديد للمركز الرأسمالي الغربي ، الذي يقابل ربع النفط في مشرقنا. فالبيانات من خلال الهواتف الذكية وغيرها هي النفط الجديد والإنسان في راسمالية المراقبة نفسه أصبح المنجم الذي تستخرج منه هذه البيانات.

والقيمة الاقتصادية لم تعد في الإنتاج المادي بل في التحكم بالمعلومة والسلوك. و الربح يتحقق من خلال الإعلانات الموجهة بدقة فائقة. ومن ثم بيع البيانات والتحليلات الشركات أخرى. وبالتالي التأثير على الاستهلاك، والسياسة، وحتى القرارات الانتخابية .

من زبدة هذه التحولات نعيش في عصر جديد عصر رأس المال الرمزي، حيث المعنى نفسه هو العملة، والوعى هو السوق. ومنذ ذلك الوقت ذابت في نفسي تدريجيا الفوارق اللغوية والثقافية، وأدركت أن الاقتصاد لم يعد بالضرورة نقودًا ومواد، بل رموزا وذكريات.

لقد عاد الأطفال إلى حياتهم، وغابت الجدات ، واغترب الشوق ، وبقيت نصف تلك الوجوه في ذاكرة الحنين. لكن اقتصاد المعنى ظل حيا، يملأ الفجوات بين الماضي والحاضر، ويربط الذاكرة بالهوية، والحنين بالاستمرار.

إنه الاقتصاد الوحيد الذي لا يُقاس بالربح والخسارة، بل بما تبقى في القلب من أثر …. كفائض قيمة معنوي مستلب.

انه اقتصاد الحداثة السائلة …. انه اقتصاد الدموع .. . انه اقتصاد المعنى…!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *