لم تمضِ سوى ليلة واحدة على قمة السلام في شرم الشيخ حتى بدأ المدونون والمحللون بتفسير مجرياتها كلٌّ حسب مزاجه الشخصي أو السياسي، محاولين تخمين شكل الشرق الأوسط القادم.
الحقيقة أن ما جرى لا يختلف كثيرًا عمّا سبقه من مؤتمرات ولقاءات عقدت في عقود مضت، سواء في كامب ديفيد أو أوسلو أو أنابوليس أو غيرها من محطات “السلام” التي انتهت كلها إلى النتيجة نفسها: تعزيز القدرات الأمنية لإسرائيل وتوسيع نطاق نفوذها الإقليمي.
قمم تتكرر بأسماء جديدة
تاريخ مؤتمرات السلام في الشرق الأوسط بات أشبه بمسرحية متكررة.
يتغير المكان، تتبدل الأسماء، لكن السيناريو واحد: وعود بالسلام، كلمات منمقة عن التعايش، وصور جماعية لزعماء يبتسمون أمام الكاميرات بينما الدم الفلسطيني لم يجف بعد.
قمة شرم الشيخ الأخيرة لم تخرج عن هذا الإطار، بل كانت استنساخًا جديدًا لذات المشهد مع ممثلين أكثر تعبًا، وجمهورٍ أقل تصديقًا.
أما جوهر النقاش، فكان منصبًّا على كيفية حماية إسرائيل من الخطر الإيراني الذي بات يقلقها أكثر من أي وقت مضى.
هاجس إيران في عقل الغرب
من الواضح أن الحاضر الغائب في كل كلمات القمة كان إيران.
كل المتحدثين داروا في فلكها، إما بالتصريح أو بالتلميح، خوفًا من تمدد نفوذها في المنطقة عبر الأذرع التي تُتهم بالولاء العقائدي لطهران.
هذه “الأذرع” – كما يسميها خصومها – لم تعد مجرّد جماعات مسلحة، بل تحوّلت إلى قوة سياسية واقتصادية وفكرية تمتلك مشروعًا مختلفًا عن المشروع الغربي القائم على التطبيع والهيمنة.
إن القلق من الفكر العقائدي الإيراني لا يعود فقط إلى سلاحه، بل إلى منهجه في رفض الخضوع لإسرائيل والولايات المتحدة، وهو ما جعل أي حديث عن “توحيد الديانات السماوية” يبدو غطاءً لتطبيعٍ جديدٍ أكثر أناقة وأقل صدقًا.
“الديانة الإبراهيمية”… عباءة سياسية جديدة
اللافت في خطاب ترامب الأخير، سواء في الكنيست الإسرائيلي أو في قاعة شرم الشيخ، هو إشارته المتكررة إلى فكرة “الديانة الإبراهيمية” باعتبارها مدخلًا لتحقيق السلام في الشرق الأوسط.
لكن خلف هذه العبارة اللامعة يكمن مشروعٌ سياسي أكثر منه ديني، يرمي إلى خلق فضاءٍ تطبيعيّ ناعم يدمج إسرائيل في المحيط العربي عبر قنوات ثقافية ودينية، بعدما فشل التطبيع السياسي العلني في تحقيق الاستقرار.
إنها محاولة لإعادة صياغة المفهوم الديني بما يخدم الهيمنة الغربية، وتحويل القيم الروحية إلى أدوات سياسية لتسويق السلام الأمريكي – الإسرائيلي، لا السلام العادل الذي ينهي الاحتلال ويرد الحقوق إلى أصحابها.
قمة “تجميل السياسة الأمريكية”
كل ما دار في القمة لم يكن سوى عملية تجميل لوجه السياسة الأمريكية التي تآكلت بفعل فشلها في غزة واليمن وأوكرانيا.
ترامب أراد من ظهوره في شرم الشيخ أن يقول للعالم إنه ما زال “الزعيم القادر على جمع الخصوم حول طاولة واحدة”، لكنه نسي أن الحضور هذه المرة لم يأتِ نتيجة نفوذه، بل نتيجة الخوف المشترك من تراجع هيبة واشنطن.
أما الكلمات التي ألقاها، فكانت أقرب إلى شعارات انتخابية منه إلى خطة واقعية: حديث عن السلام، وإصلاح العلاقات، ووعود بإعادة الإعمار، دون أي التزام واضح تجاه وقف الاستيطان أو محاسبة إسرائيل على جرائمها في غزة.
السلام الميت سريريًا
حين نتأمل فحوى القمة، ندرك أن كل ما جرى لم يكن سوى محاولة إنعاش لجسد ميت سريريًا.
المبادرات الغربية، التي بدأت منذ سبعينيات القرن الماضي تحت شعار “حلّ الدولتين”، تحولت اليوم إلى أشبه بذكريات تاريخية تُستحضر لتبرير الوجود الأمريكي في المنطقة.
القضية الفلسطينية باتت بندًا شكليًا في جدول الاجتماعات، لا هدفًا نضاليًا.
حتى مفهوم “السلام” نفسه تآكل، وصار يعني هدنة مؤقتة، أو تسوية تضمن لإسرائيل مزيدًا من الوقت لتستعيد أنفاسها قبل الجولة التالية من الصراع.
الشرق الأوسط بعد القمة
ما بعد قمة شرم الشيخ لن يختلف عمّا قبلها كثيرًا.
التحالفات ستبقى على حالها، واللغة الدبلوماسية ستستمر في تكرار شعاراتها الخشبية، بينما الواقع على الأرض يقول إن المنطقة دخلت طورًا جديدًا من الصراع المفتوح.
إيران ماضية في تعزيز حضورها، واليمن لا يزال شوكة في خاصرة التحالفات، وغزة أثبتت أن المعادلة لم تعد تُرسم في القصور، بل في ساحات المقاومة.
أما واشنطن، فقد خسرت دورها كعرّابٍ مطلق، وباتت تكتفي بدور الطبيب الذي يُصدر شهادة وفاة لسلامٍ لم يولد أصلًا.
لم تمضي سوى ليلة واحدة على قمة السلام في شرم الشيخ وبدأ المدونون من تفسير مجرياته كل حسب مزاجه الشخصي أو السياسي وتخمين حسابات مستقبل الشرق الأوسط القادم .الحقيقة هو شبيه بما سبقه من مؤتمرات عقدت في الزمن السابق سواء في( كمب ديفيد أو مؤتمر أوسلو) بالمجمل يصب في تعزيز القدرات الأمنية لإسرائيل بعد الضربات الصاروخية التي تعرضت لها من إيران واليمن والخوف من نشاط الاذرع الإيرانية في المنطقة كونها تحمل فكرا عقائديا لايسمح لها بإقامة اي علاقة معه
سواء بمسمى التطبيع أو باسلوب تحقيق السلام في الشرق الأوسط أو الاسم الرديف لكل ما ذكرنا وهو توحيد الديانات السماوية في المنطقة باسم( الديانة الابراهيمية) وأشار لها ترامب من خلال الكلمتين في الكنيست الاسرائيلي وفي شرم الشيخ بوضوح . وان جميع المفردات التي تناولها في خطابه تصب لمصلحته الشخصية وكل ما دار سوى إجراء عمليات تجميل لوجه سياسته وهي لا تجدي نفعا وغير فعالة سوى سلسلة من الإجراءات الدبلوماسية التي تشير بكاملها إلى جسد ميت سريرياً..
والله المستعان.


