(للحرية فكر، ولا حرية لمن لا يفهم فكر الحرية)
لا شيء اسمه (الفوضى الخلاقة) التي آمن بها بعض الذين (فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ) القصد هنا لا الصدقات بل ما يصيبهم من الفوضى الخلاقة من مصالح شخصية وإن عارضت مصالح المجتمع.
حرية الرأي صفة حيوية إيجابية، وضدّها الفتنة (الفوضى الخلاقة التي لا وجود لها إلا في مستنقع الدماء) فهي صفة سلبية تعبّر عن الحقد والبغضاء. لا علاقة لها بالحق والفضيلة، ورسخ لنا الإسلام قاعدة سياسية اقتصادية اجتماعية (لا يُطاع الله من حيث يُعصى)
الذين يخططون لإثارة الفتن يعرفون ما يفعلون.. ولكنّ المشكلة في الذين يتابعونهم من غير وعي ولا إدراك ولا تفكير.. تغرّهم شعارات معينة تختلف من عصر إلى عصر، ومن مكان إلى مكان. تتغطى عادة بشعارات مغرية حسب المزاج العام تصل حتى إلى لون البشرة، ما بين أسود وأبيض، مثلا، وتتدثّر بشعارات عصرية كحرية الرأي، وحرية التعبير عنه، والتغنِّي بالحرص على مصلحة الناس.. وما إلى ذلك.
فلنتخيل وضعية مجتمع ما إذا كان هذا يشتم ذاك في مواقع الثرثرة الشبكية، ويرد عليه ذاك بالإقذاع في القول والإهانة والتسقيط. وهذا يلعن ذاك، وذاك يبادله اللعن، وهذا يخوّن ذاك، وذاك يجرّم هذا، وهذا يكفّر ذاك، وذاك يفسّق هذا.. وهذا يثير الصديق على صديقه، وذاك يثير الزوج على زوجه، أو الإبن على أبيه، أو المجتمع على البلد، أو المواطن على أمن الوطن وتطوره!
فأيّ مجتمع هذا؟!
وأين هي حرية الرأي في تلك الممارسات؟ وأين حرية إبداء الرأي وحقوق الإنسان في تسقيط سمعة الناس وتلويث أسمائهم بالاتهامات والتقولات، تعبيرا عن حسد وضغينة وبغضاء وأهداف شخصية؟!
هناك عَقْدٌ لا بد منه: الحرية مرتبطة بالمسؤولية. لا حرية بلا مسؤولية. وإلاّ هي الفوضى والدمار.
ولقد سألنِي أحد الأعزاء: ما الفتنة؟ وكيف الخلاص منها؟
قبل كل شيء يجب أن نفهم مرتكزنا لفهم (الفتنة) حتى لا يكون هناك مجال للتأويل أو التلاعب بالألفاظ، فنقول:
لقد خلق اللّه الخلق ليعبدوه: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالانسَ إِلاّ لِيَعْبُدُونِ)(سورة الذاريات 56). فهو، تعالى، قد خلق الخلق كي يعبدوه. وليس من المعقول أن المراد بالعبادة أن يظل المرء طيلة أيامه، في نهاراتها وليالها، راكعا ساجدا صائما حاجّا مزكّيا. فهذه العبادات لها أوقات مخصوصة وكيفيّات محدّدة، ما بين واجب ومستحبّ وغير ذلك.
لذا فإنّ من صور العبادة إعمار الأرض وذلك قوله، تعالى: (هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا)(سورة هود 61).
وكلمة (استعمركم) أي جعلكم تَعْمرونها (أي تسكنون فيها) وتعمّرونها، أي: تبنون فيها وتطورونها وتتخذونها وسيلة للحصول على الرزق، وجسرا إلى جنّة الآخرة التي عَرْضُها عرض السموات والأرض.
ولذلك فإنّ اللّه اعتبر الإنسان خليفته في الأرض، كالذي جاء في قوله، تعالى: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ)(سورة البقرة 30).
فهو، تعالى، يعلم أنّ مِنَ الناس مَنْ سيُفسد في الأرض ويسفك الدماء، وأولئك هم أهل الفتن، وليس الله بحاجة إلى أن تخبره الملائكة بذلك. وهو، تعالى، يعلم أنّ مِنَ الناس مَنْ سيعمل على إعمار الأرض ليحقق رسالة الاستخلاف. وهذا ما لم تكن الملائكة تعرفه، وهو من جملة ما نستفيده من قوله، تعالى: (قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ).
وبناء على هذه الرؤية فإنّ الناس يجب أن لا يكون سيرهم باتجاه تخريب الأرض بل أن يسيروا نحو إعمار الأرض بشكل متواصل، إعمارا حضاريا وإنسانيا قائما على العدل. هذا هو واجب الإنسان ليحقّق إنسانيته. فكلّ مَنْ عارض هذا الاتجاه، أو حاول عرقلته، أو أراد حرف تلك المسيرة، فهو واحد من أهل الفتن.
والفتنة، بعد هذا: هي تفتيت الكلمة، وبث الفُرقة بين الناس، وإشغالهم بما يضرّهم ولا ينفعهم، وممارسة القتل والعدوان، بكل الصور المادية والمعنوية.
وكي يكون كلاما مرصّنا بحقائق واقعات الحياة ننتقل إلى شواهد حقيقية، لنتبين كم أضرت بنا..
صور من الفتن
هي الفتنة أيها الأعزاء ترفضها جميع الثقافات الدينية والإنسانية، ولقد اصطلحوا عليها في ثقافات أخرى بلفظ (Sedition) و(Slander) و(Aufruhr) حيث ارتبطت بالثقافات الثلاث الإنكليزية والفرنسية والألمانية بأسوأ صفات الكذب والاستبداد والعنصرية.
تحدثنا واقعات تاريخ الأمم والشعوب قاطبة أنّ الفتن أثّرت أسوأ الآثار على الناس طيلة التاريخ البشري الذي نعرفه، ولم ينجُ أيّ قوم من شرورها. ولم يكن تاريخنا بدعا بين التواريخ في حدوث الكثير منها مِمّا أفقدنا دزرنا الحضاري، وزرع التبعية في أفكارنا وسلوكنا.
إنّ آثارَ كثير من الفتن القائمة اليوم لها جذورها التاريخية التي ما زالت متواصلة برغم تطور العقل البشري، حتى إن اختلفت الشعارات والأزياء. وإذا كانت الفتن في العصر الجاهلي تشتعل لأوهى الأسباب كقتل ناقة البسوس التي أشعلت الحرب أربعين عاما بين الإخوة وأبناء العمومة فشملت الجزيرة كلها تقريبا، فإن الفتن اتخذت مبررات أخرى بعد ظهور الإسلام الذي جعل الفتنة أشد من القتل وأكبر، وأمر الناسَ أن يبتعدوا عنها وأن يتجنبوها وأمرهم بالعمل على إعمار الأرض وإشاعة الأمن والأمان والاطمئنان.
فحين ظهر الإسلام جعل من أبرز أهدافه سيادة الأمن والأمان والسّلام بين الناس، والقضاء على الفتن والمعارك، حتى جاء في التنزيل العزيز الكثير من الآيات التي تؤدي ذلك المعنَى. ويكفي أن نذكر آية واحدة مثالا على غيرها. وهي: (كُلَّمَا أَوْقَدُواْ نَارًا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ)(سورة المائدة 64).
وفي خطبة حجة الوداع:
* (إنّ دماءكم وأموالكم وأعراضكم وأبشاركم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا ألا هل بلّغت؟ قلنا: نعم. قال: اللّهمّ فاشهدْ. فليبلِّغ الشاهد الغائبَ، فإنّه رُبَّ مبلِّغٍ يبلِّغُهُ لِمَن هو أوعى له. ثم قال: لا ترجعوا بعدي كفّارا يضرب بعضُكم رقاب بعض).
ولكنّ الناس لم يساعدوا أنفسهم في تحقيق هذا الهدف السامي، فسرعان ما عاد الصراع القبلي، وزاد عليه الصراع المذهبي، حتى اكتملت الفتنة بالصراعات القومية بين المسلمين أنفسهم من عرب وترك وفرس وديلم وغيرهم.
وإذا درسنا أسباب الفتن التي ظهرت بعد الإسلام فإننا نجد الأسباب المعلنة للكثير منها، مجرد اختلافات نظرية، لا علاقة لها بحياة الناس، ولا بما جاء به القرآن الكريم. فلماذا يقتتل الناس بسبب فكرة هل القرآن مخلوق أم قديم؟ ويقوم خليفة بإقامة الحد على القائلين بهذا الرأي تارة، ويقوم آخر بمعاقبة القائلين بالرأي الآخر تارة أخرى، مِمّا عُرف بفتنة خلق القرآن، مثلا، ما بين المعتزلة وغيرهم، وما بين موقف المأمون الذي خالفه موقف المعتصم. فعاقب المأمون مَن عارض المعتزلة، ثم عاقب المعتصم من أيّدهم وساندهم!
ماذا يمكن أن نحكم على من كفّر مؤمنا أو حكم عليه بالفسق لأنه رأى رأيا غير رأيه، وهو عادة مجرد رأي؟
هذه الرؤى نظرية وكلها تزعم الانطلاق من القرآن الكريم. فما دام الأمر كذلك فلماذا لا تتسع الصدور لاختلاف الرؤية، ضمن الإطار الذي حدده الإسلام نفسه، ما دام الكل يزعمون الحرص عليه؟
ثم مِمّا زاد الطين بلّة، كما يقولون، ظهور الصراعات المذهبية، ومن بعدها القومية ما بين العرب والفرس والديلم والترك وغيرهم.
ولقد خسر المسلمون، عربا وغير عرب حضارات سبق أن شيّدها آباؤهم وأجدادهم في أوقات الأمن والسّلام والطمأنينة. حتى أنّهم أُخرجوا من ديار كانوا قد دخلوها واستوطنوها كالذي حدث في خروجهم من الأندلس إذ لم يكن سببه الأول إلاّ الفتن التي كانت تثور بينهم بشكل شبه متواصل، مِمّا أدّى إلى ظهور ملوك الطوائف ومن ثمّ حدث سقوط غرناطة وإشبيلية وقرطبة في أيدي الفرنجة.
وابتداء منذ أواخر القرن الرابع للهجرة، يصف المؤرخون الأندلس بقولهم: ثم إن الأندلس اقتسمها أصحاب الأطراف، فتغلب كل إنسان على شيء منها، فصاروا مثل ملوك الطوائف، كل واحد مستقل بمدينة أو أكثر من مدينة، وكان ذلك (حسب تعبير المؤرخين) أضرّ شيء على المسلمين، فطمع الفرنجة فيهم، وتيقنوا أن أولئك الواقعين في الفتن لن تجتمع كلمتهم مرّة أخرى.
وظلت الأحوال تتراوح بين فِتْنَة وأخرى، وصراع وآخر، مِمّا يزيدهم ضعفا وتخاذلا وإهمالا. حتى انتهت دولتهم هناك بسبب الفتن التي تواصل ثورانها بينهم باعتراف المؤرخين جميعا. ثم يظهر بيننا من يتباكى على ما حدث، وفي الوقت نفسه، لا يتوانَى عن محاولة إحياء تلك الفتن مرّة أُخرى!
ومن المغارب إلى المشارق، إبّان غزو المغول، فلقد كانت جميع ديار المشرق ميدانا مفتوحا للفتن والمعارك بمختلف الشعارات والواجهات، مِمّا سهّل للمغول الاستيلاء عليها واحدة بعد الأخرى. وارتكبوا في كل مكان حلّوا فيه أبشع المجازر والفظائع. ومن ذلك هذا النص الذي نأخذه بتصرّف من كتاب (معجم البلدان) لياقوت الحموي، وقد عاصر سقوط المدن على يد المغول.
يقول ياقوت في وصف مدينة الري، (وهي حارة من حارات طهران الحالية):
* فأمّا الرّيّ فإنِّي رأيتها، وهي مدينة عجيبة الحُسن، مبنيّة بالآجرّ المنمّق المحكَم الملمّع بالزرقة مدهون كما تُدهَن الغضائر (أي الطابوق المزركش والملون باللون الأزرق والنظيف بحيث يُشبّهه بالغضائر، وهي أنواع من الحلوى المدهونة بالزيت أو العسل). وإلى جانبها جبل مشرف عليها. وتحيطها البساتين من كل جهاتها الأخرى، وهي بساتين جميلة كثيرة الأشجار وارفة الظلال غزيرة الثّمار.
وليس بعد بغداد في المشرق مدينة أكثر عَمارا منها وأجمل بناء، وأرغد حياة ويَسارا وثراء. وكان الناس يجدون في أرضها قطع الذهب وربّما وجدوا لؤلؤا وفصوصَ ياقوت.
وقد وُصفت بأنها عروس الدّنيا، وإليها متجر النّاس.
ويقرّر ياقوت أنّها كانت مدينة عظيمة خرب أكثرها. ويذكر أنه صدف أن اجتازها في خرابها في سنة 617 وهو منهزم من التتار، فرأى حيطان خرابها قائمة ومنابرها باقية، وتزاويق الحيطان (أي الرسوم على الحيطان) بحالها لقُرب عهدها بالخراب، إلا أنّها خاوية على عروشها (أي كأنْ ليس فيها سكّان يسكنونها). فسأل رجلا من عقلائها عن السبب في ذلك (الخراب وخلوّها من الناس). فقال: السبب ضعيف (أي لا مبرر لهذا الخراب).
ثم أوضح له ذلك الرجل سبب الخراب بما ملخّصه أنّ أهل المدينة ثلاث طوائف (سنرمز لها بالحروف ألف باء تاء) فأما الطائفة (ألف) فقد كانوا السواد الأعظم وكانت طائفة (باء) كثيرة العدد، فأمّا طائفة (تاء) فقد كانوا أقليّة. فوقعت الفتنة بين طائفة (ألف) من جهة وطائفتَي (باء) و(تاء) من جهة أخرى. فتظافر على الطائفة (ألف) كلّ من (باء) و(تاء).
وتطاولت بينهم الفتن والحروب، حتى لم يتركوا من أتباع طائفة (ألف) من يُعرف. فلمّا أفْنَوهم وقعت الفتنة بين الطائفتين (باء) و(تاء) ووقعت بينهم حروب ومعارك، كان الظفر في جميعها لطائفة (باء). وكان أبناء طائفة (تاء) يجيئون إلى البلد بالسلاح ويساعدون أهل نِحلتهم، أي طائفتهم. فلم ينفعهم ذلك شيئا، حتى فَنُوا. فهذه المحالّ الخراب التي ترى هي محالّ الطائفتين (ألف) و(تاء) وبقيت هذه المحلة التي نحن فيها الآن، وهي أصغر محالّ الرّيّ. ولم يبق من الطائفتين (ألف) و(تاء) إلاّ من يُخفي مذهبه.
ويذكر ياقوت أنّه رأى دور بقايا الطائفتين كلها مبنية تحت الأرض ودروبهم التي يصلون بها إلى دورهم على غاية الصعوبة والظلمة. وقد فعلوا ذلك لكثرة ما يطرقهم من العساكر بالغارات. ولولا ذلك (هكذا يقول ياقوت) لَما بقيَ منهم أحد.
وكان من الطبيعي أنّ هذه المدينة الجميلة لم تستطع الصمود في وجه التتار فسقطت بكل بساطة وخضعت كغيرها من المدن للفظائع والمجازر المهولة.
ولم تكن الحالة في بغداد نفسها أفضل من هذه الحالة وأسباب سقوطها مشهورة، وفي كتب التاريخ مسطورة. شأنها شأن غيرها من مدن المغارب والمشارق.
ما سبب هذا الصراع وغيره من الفتن التي سودت صفحات التاريخ؟ حقيقة إنها مأساة كبيرة، فكل هؤلاء المتصارعين يعلنون أنهم يؤمنون بالدين نفسه وبكل مقولاته، على اجتهادٍ في فهم نصٍّ يختلف، بعض الشيء، عن اجتهادٍ آخرَ في فهمه. فلماذا ما زال بعضنا متشبّثا الصراعات الدموية في عصر شرس؟ لمَ لا يُباح لكل إنسان أن يعبد ربّه بالمنهج الذي ارتضاه، من غير أن يعتدي على غيره ولا أن يسفّهه أو يفسّقه أو يكفره فيبيح دمه وعرضه وماله؟ وإذا كان ولا بد من الحوار والنقاش فليكن بالحسنَى والكلمة الطيبة. لا بهدف فرض الرأي واعتقاد كل فريق من الناس أنه الفريق الذي لا يُخطئ أبدا، وأن أقواله وآراءه هي أقوال اللّه وأوامره برغم الآيات والأحاديث التي تنهى الناس عن ذلك.
وإذا كان القرآن الكريم قد أمر أن تكون الدعوة إلى اللّه بالحكمة والموعظة الحسنة:
(ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ)(سورة النحل 125) فكيف يبيح أيّ مسلم لنفسه أن يلجأ إلى العنف والفظاظة؟
هذه فتن قائمة محتدمة، لا ينجو منها إلا الواعون العقلاء المدركون أنّهم مخلوقون لإعمار الأرض لا للإفساد فيها وسفك الدماء. وتلك هي طبائع الأشياء، فطوبى لِمَن عرف سبب خلقه، وعمل لإعمار الأرض وحافظ على نفسه وأهله ومجتمعه وبلده من الفتن وما ينتج عنها من خراب ودمار وقتل وتخلف، مستنيرا بقوله، تعالى: (هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ)(سورة آل عمران 7).
وقوله: (إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ)(سورة آل عمران 140).
فهلّا تعلمنا كيف نعيد خطواتنا إلى طريق البناء والإعمار، ماديا وروحيا؟
أم هي أمنية، لا أمل في تحقيقها؟


