طوفان الأقصى: جردة حساب ( 2)

طوفان الأقصى: جردة حساب ( 2)
جسّد طوفان الأقصى تحوّلًا تاريخيًا أعاد فلسطين إلى وجدان العالم، فبين الدمار والكرامة وُلد وعيٌ جديد، كشف زيف الاحتلال، وأحيا المقاومة، مؤكدًا أن الفكرة لا تُهزم مهما تهدّم البيت أو اشتدّ الألم...

طوفان الأقصى: بين وجع الخسارة ووهج البعث من تحت الركام

بعد مرور عامين على “طوفان الأقصى”، تتبدّى الصورة الفلسطينية بكل تناقضاتها بين الأمل والجراح، بين المعاناة اليومية وبين عودة الروح إلى قضيةٍ حاول كثيرون أن يطووا صفحتها في ذاكرة العالم. ما جرى في السابع من تشرين الأول 2023 لم يكن مجرد عملية عسكرية، بل لحظة زلزلت الشرق الأوسط، وأعادت تعريف موازين القوة، وأيقظت قضية كانت تُدفع عمدًا إلى النسيان .

أولًا: ماذا كسب الشعب الفلسطيني والقضية من الطوفان؟

  1. عودة القضية إلى مركز الوعي العالمي

قبل الطوفان، كانت فلسطين عنوانًا باهتًا في نشرات الأخبار، لا تُذكر إلا عرضًا في سياق دبلوماسي أو إنساني.

لكن في الأيام التي تلت العملية، تصدّرت فلسطين نشرات العالم بأسره. من شوارع نيويورك إلى جامعات لندن وساحات برلين وكيب تاون، عاد العلم الفلسطيني مرفوعًا، وخرج الملايين في مظاهرات غير مسبوقة منذ الانتفاضة الثانية.

استفاق الرأي العام العالمي على صور الدمار، لكنه أيضًا سمع من جديد عن أصل الحكاية: شعب يعيش تحت احتلال منذ 75 عامًا.

  1. انكشاف صورة “إسرائيل” أمام الرأي العام العالمي

للمرة الأولى منذ عقود، اهتزّت الصورة التي عملت تل أبيب على ترسيخها بأنها “واحة الديمقراطية” و”الضحية الدائمة”.

المجازر، الحصار، استهداف المستشفيات والمدارس، ومشاهد الأطفال تحت الأنقاض نقلت الرواية الفلسطينية إلى قلب كل بيت في العالم.

حتى داخل الغرب، تغيّر المزاج الشعبي: ارتفعت الأصوات في الجامعات والنقابات والبرلمانات للمطالبة بوقف الدعم غير المشروط لإسرائيل، وبدأت تتكسر الهالة الأخلاقية التي كانت تحيط بها لعقود.

  1. وحدة الساحات – كسر الجغرافيا السياسية

أعاد الطوفان توحيد الجغرافيا الفلسطينية التي فرّقتها السياسة.

الضفة الغربية، القدس، غزة، والشتات الفلسطيني شعروا جميعًا أنهم في معركة واحدة.

كما أن الدعم العسكري والسياسي من أطراف محور المقاومة (لبنان، اليمن، العراق، إيران) شكّل بعدًا جديدًا للمعركة، جعل إسرائيل تواجه أكثر من جبهة، وأثبت أن فلسطين لم تعد وحيدة.

  1. إحياء الوعي المقاوم لدى الأجيال الجديدة

جيلٌ كامل من الفلسطينيين وُلد بعد أوسلو، لم يعرف إلا المفاوضات والتسويات الفاشلة، عاد ليكتشف معنى الكرامة والمقاومة.

أبناء المخيمات، وأطفال غزة، وشباب الشتات، وجدوا في الطوفان لحظة انبعاث واعتزاز بالهوية.

لقد أعاد الطوفان تعريف “الفلسطيني”: ليس فقط الضحية، بل الفاعل القادر على قلب المعادلة.

  1. اهتزاز مشروع التطبيع العربي

ربما كانت هذه من أهم النتائج السياسية غير المباشرة.

فقد أحرج الطوفان الأنظمة التي كانت تستعجل التوقيع مع إسرائيل، وأعاد رسم خطوط العلاقة بين الشعوب وحكوماتها.

الشارع العربي، الذي بدا خامدًا، عاد حيًا يهتف لفلسطين من الرباط إلى بغداد.

وهكذا تبيّن أن التطبيع السياسي لا يمكن أن يمحو وجدانًا عربيًا لا يزال يرى في القدس بوصلته الأولى.

ثانيًا: ماذا خسر الشعب الفلسطيني؟

  1. كارثة إنسانية غير مسبوقة

الدمار الذي لحق بقطاع غزة كان هائلًا.

مئات الآلاف من الشهداء والجرحى والمفقودين، ملايين النازحين، وانهيار شبه كامل للبنية التحتية: مستشفيات، مدارس، منازل، مساجد.

تحوّل القطاع إلى ركام، وفُقدت الخدمات الأساسية من ماء وكهرباء ودواء.

إنها جراح لن تلتئم سريعًا، ليس فقط ماديًا، بل نفسيًا وروحيًا.

  1. نزيف النخبة والخبرات

من بين الشهداء مئات الأطباء، المهندسين، الأساتذة، الصحفيين، والكوادر التي شكّلت العمود الفقري للمجتمع الغزّي.

وهذا يعني أن عملية إعادة الإعمار ستكون صعبة، ليس فقط لأن الحجارة تهدمت، بل لأن العقول التي تبني المستقبل قد فقدت أيضًا.

  1. الانقسام السياسي بين غزة والضفة

على الرغم من اللحظة الوطنية الجامعة التي عاشها الفلسطينيون في بداية الحرب، فإن الانقسام السياسي ما لبث أن عاد ليطلّ برأسه.

الخلافات حول من يمثّل الشعب الفلسطيني، ومن يتحدث باسمه بعد الحرب، جعلت من استثمار هذا الزخم أمرًا أكثر تعقيدًا.

فالطوفان أعاد توحيد الدم، لكنه لم ينجح حتى الآن في توحيد الموقف السياسي.

  1. العقوبات والضغوط الاقتصادية

إسرائيل ومن خلفها بعض القوى الغربية استخدمت أدوات العقاب الجماعي ضد الفلسطينيين:

تجميد الأموال، قطع المساعدات، وتشديد القيود على المعابر.

وحتى السلطة الفلسطينية واجهت أزمات مالية خانقة، انعكست على قدرة المؤسسات على البقاء والخدمة.

  1. الصدمة النفسية والاجتماعية

جيل الأطفال في غزة خرج من الحرب بذاكرة مثقلة بالدماء والدمار.

أجيالٌ ستعيش بعقد نفسية عميقة: الخوف، الفقد، الإحباط، والحنين إلى بيوت لم تعد قائمة.

لكن في الوقت نفسه، يولد من تحت هذا الركام وعيٌ جديدٌ لا يمكن للاحتلال أن يمحوه.

ثالثًا: ميزان الربح والخسارة – قراءة أعمق

الربح المادي والسياسي في زمن الحرب لا يُقاس بالأرقام فقط.

ما كسبه الفلسطينيون من طوفان الأقصى هو استعادة الكرامة والهوية، وإعادة العالم إلى أصل الصراع، وما خسروه هو الألم الإنساني الفادح الذي دفعوه ثمناً لذلك.

بالمقاييس الباردة، قد يبدو أن إسرائيل ما زالت تملك اليد العليا عسكريًا، لكن بالمقاييس التاريخية، ما جرى كان تحوّلًا استراتيجيًا في وعي الشعوب.

فالقضية الفلسطينية بعد الطوفان لم تعد مجرد قضية حدودٍ أو دولة، بل صارت رمزًا عالميًا لمقاومة الظلم، وللثبات في وجه الهيمنة.

رابعًا: بين الألم والأمل

لقد أثبت الشعب الفلسطيني أن النكبات لا تقتله، بل تصنعه من جديد.

من تحت الأنقاض خرجت إرادة الحياة، ومن بين الدمار ولدت أغانٍ وأناشيد وأسماء أطفالٍ سُمّوا على شهداء وبلداتٍ محتلة.

طوفان الأقصى كان مأساة بكل المقاييس، لكنه كان أيضًا لحظة بعث قومي وإنساني، جعلت العالم يعيد النظر في معنى العدالة، وفي حدود القوة، وفي قدرة الإنسان على الصمود.

الخاتمة

ربما لم يحقق الفلسطينيون “نصرًا كاملاً” في الميدان، لكنهم حققوا انتصارًا معنويًا وتاريخيًا لا يمكن محوه.

لقد خسروا الأحبة والبيوت، لكنهم ربحوا العالم الذي عاد ينظر إليهم بعيونٍ مفتوحة وضميرٍ مستيقظ.

طوفان الأقصى لم يكن نهاية مرحلة، بل بداية تاريخٍ جديدٍ يُكتب بالدم والكرامة، عنوانه:

“قد يُهدم البيت، لكن الفكرة لا تُهزم.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *