شهد العالم في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 حدثًا مدويًا حين شنت حركة حماس عملية عسكرية ضد إسرائيل. وقد بدت العملية في ظاهرها بطولية، مفعمة بعاطفة المقاومة ورمزية التحدي، لكنها، في العمق، كانت تصرفًا عسكريًا غير مدروس ولا محسوب النتائج.
لقد أدت نظرة استرجاعية لما أعقبها من دمار واسع، وآلام إنسانية هائلة، وانغلاق أفق سياسي شامل، إلى إدراك أن ما بدا بطولة آنية تحول إلى مأساة استراتيجية أضرت بالقضية الفلسطينية أكثر مما أفادتها.
أولًا: بين الفعل الانفعالي والفعل الحضاري
الفعل الانفعالي هو ذلك الذي يُولَد من رحم الغضب والاحتقان، دون حساب دقيق لموازين القوى ولا للنتائج البعيدة.
أما الفعل الحضاري، فهو فعل واعٍ، منظم، يستند إلى رؤية استراتيجية بعيدة المدى، ويتغذى من منظومة قيمية تقوم على العقل، والمسؤولية، والعدالة، والإتقان، والإبداع.
الفرق بين الفعلين هو الفرق بين من يثور من أجل الحياة، ومن يثور ضد الموت فقط.
ما جرى في 7 أكتوبر يجسد أزمة الفكر السياسي العربي والإسلامي حين يتعامل مع القضايا المصيرية بعقلية الرد الانفعالي بدلًا من التخطيط الحضاري. فالقضية الفلسطينية ليست مجرد صراع عسكري، بل هي اختبار حضاري للقدرة على إنتاج نموذج جديد للتعايش والسلام والعدالة في الشرق الأوسط.
ثانيًا: فشل الحلول التقليدية وانسداد الأفق
منذ أكثر من سبعة عقود، تدور المنطقة في حلقة مفرغة بين خيارين عقيمين:
- حل الدولتين الذي لم يتحقق، وتآكل بفعل الوقائع الميدانية والسياسات العنصرية.
- ومنطق الحرب المستمرة الذي يستنزف الشعوب ولا يغيّر ميزان القوى الحقيقي.
كلا الخيارين يفتقر إلى الرؤية الحضارية التي تتجاوز منطق الغلبة إلى منطق الشراكة الإنسانية.
ثالثًا: حل الدولة الواحدة — الرؤية الحضارية البديلة
إن الحل الأكثر انسجامًا مع القيم الحضارية الحديثة هو حل الدولة الواحدة في فلسطين الكبرى، دولة يعيش فيها العرب واليهود وسائر المكونات كمواطنين متساوين في الحقوق والواجبات، تحت مظلة دستور مدني حضاري يقوم على:
- الحرية باعتبارها حقًا طبيعيًا لكل إنسان؛
- العدالة والمساواة كأساس للعلاقة بين المواطنين؛
- المسؤولية المشتركة عن بناء مجتمع مزدهر؛
- الثقة والسلام والتسامح كقيم ضامنة للتعايش؛
- والإبداع كطريق لتجاوز الماضي نحو مستقبل مشترك.
بهذا المعنى، تتحول فلسطين من ساحة نزاع إلى منصة لبناء نموذج حضاري جديد في المنطقة، يبرهن أن التعايش ليس تنازلًا، بل ارتقاء في سلم الوعي الإنساني.
رابعًا: نحو سلام شامل في الشرق الأوسط
لا يمكن تحقيق سلام حقيقي ما لم يتحول السلام إلى خيار حضاري جامع تتبناه شعوب المنطقة، لا حكوماتها فحسب.
فالسلام الحضاري لا يعني نسيان الحقوق، بل تحقيقها بوسائل إنسانية عاقلة.
ولا يعني الاستسلام، بل الانتقال من منطق “رد الفعل” إلى منطق “صناعة الفعل”.
إن بناء شرق أوسط جديد يتطلب تحولًا فكريًا عميقًا، يقوم على إدراك أن المصالح والمصائر مترابطة، وأن القوة الحقيقية لا تُقاس بالسلاح، بل بقدرة الإنسان على تحويل الصراع إلى تعاون، والعداء إلى شراكة، والماضي إلى درس لا إلى لعنة.
خامسًا: الخاتمة — الطريق إلى الفعل الحضاري
لقد آن الأوان للخروج من أسر اللحظة الانفعالية إلى أفق الفعل الحضاري الواعي.
فالمقاومة ليست دائمًا في البندقية، بل قد تكون في العقل، والرؤية، والبناء، والإنجاز.
والنصر الحقيقي ليس في هزيمة الآخر، بل في تحرير الإنسان من الكراهية والخوف والظلم.
إن فلسطين الكبرى — بدولتها الواحدة وشعبها المتعدد — يمكن أن تكون إعلانًا حضاريًا جديدًا للإنسانية في الشرق الأوسط، ونقطة انطلاق نحو سلام شامل ومستدام، لا يُفرض بالقوة، بل يُبنى بالإرادة والعقل والحكمة.


