تُعد الموازنة العامة للدولة الإطار المالي الذي يحدد الإيرادات والنفقات المتوقعة خلال سنة مالية معينة، وهي تعبير عن السياسة الاقتصادية والمالية للحكومة.
وفي العراق، يعتمد الاقتصاد الوطني بشكل كبير على الإيرادات النفطية التي تمثل أكثر من (90%) من إجمالي الإيرادات العامة، في حين تشكل الإيرادات غير النفطية نسبة محدودة لكنها تُعد مهمة لتحقيق الاستقرار المالي وتقليل المخاطر الناتجة عن تقلبات أسعار النفط.
غير أن تأخير إقرار الموازنة العامة أصبح ظاهرة متكررة في السنوات الأخيرة، مما ألقى بظلاله على قدرة الدولة في تحصيل الإيرادات غير النفطية بفاعلية.
تهدف هذه المقالة إلى تحليل الآثار المحاسبية والاقتصادية والإدارية لتأخر الموازنة على تحصيل هذه الإيرادات.
ان مفهوم الإيرادات غير النفطية هي تلك المتأتية من الضرائب، الرسوم الجمركية، الإيرادات الإدارية والخدمية، أرباح الشركات العامة، والغرامات وغيرها من الموارد التي لا ترتبط بالنفط الخام أو مشتقاته.
وتبرز أهميتها في كونها:
1.تقلل من الاعتماد الريعي على النفط.
2.تعزز الاستقرار المالي في ظل تقلبات السوق النفطية.
3.تمثل مؤشرًا على كفاءة النظام المالي والإداري للدولة.
4.تسهم في تحقيق العدالة الضريبية وتحفيز النشاط الاقتصادي.
وهنالك عدة أسباب تعمل على تأخير إقرار الموازنة العامة في العراق أبرزها:
1.الخلافات السياسية بين القوى والأحزاب حول توزيع الإنفاق والإيرادات.
2.عدم استقرار أسعار النفط وصعوبة تقدير الإيرادات العامة بدقة.
3.ضعف التنسيق المؤسسي بين وزارة المالية ومجلس النواب.
4.غياب التخطيط المالي متوسط وطويل الأجل.
هذه الأسباب مجتمعة تؤدي إلى تأخر تنفيذ الخطط المالية السنوية، مما ينعكس مباشرة على آليات تحصيل الإيرادات.
أما الأثار المحاسبية والإدارية لتأخير الموازنة على تحصيل الإيرادات غير النفطية فهي كالاتي:
1.تعطّل خطط التحصيل المالي
عند تأخر الموازنة، لا يمكن للوزارات والهيئات العامة تنفيذ خططها لتحصيل الإيرادات غير النفطية، خصوصًا تلك المعتمدة على الرسوم والضرائب الجديدة.
فغياب الإقرار يعني غياب الأساس القانوني للتحصيل أو تعديل الرسوم، ما يؤدي إلى تأجيل استيفائها.
2.ضعف الرقابة المالية والإدارية
لأن الموازنة تمثل الأساس في مراقبة الإيرادات والنفقات، وتأخرها يؤدي إلى ضعف الرقابة على دوائر الجباية والتحصيل، مما يزيد احتمالية الهدر المالي أو الفساد الإداري.
3.تأخر تنفيذ التشريعات الضريبية
في العراق، تتضمن قوانين الموازنة أحيانًا تعديلات على الضرائب أو الرسوم، وعند تأخرها تتأخر تلك التعديلات، مما يؤدي إلى تراجع التحصيل الضريبي مقارنة بالتقديرات المستهدفة.
4.تأثير سلبي على أداء الدوائر الإيرادية، فالهيئات والوزارات المسؤولة عن الجباية (كالضرائب، الگمارك، النقل، الكهرباء، الاتصالات) تحتاج إلى تخصيصات مالية لتطوير أنظمتها الإدارية والمحاسبية.
وان تأخر الموازنة يؤدي إلى تأجيل الصرف التشغيلي والاستثماري، وبالتالي ضعف التحصيل المالي.
-
تراجع الثقة بين المواطن والإدارة المالية.
فعندما تتأخر الموازنة، تتأخر بدورها الخدمات الحكومية والمشاريع، مما يضعف استعداد الأفراد والشركات لدفع الرسوم والضرائب في مواعيدها، ويخلق حالة من عدم الامتثال الضريبي.
تُظهر التجارب العراقية أن تأخير الموازنة يؤدي إلى انخفاض واضح في الإيرادات غير النفطية خلال الأشهر الأولى من السنة المالية.
على سبيل المثال:
في السنوات التي تأخرت فيها الموازنة (2014، 2020، 2023)، انخفضت نسبة الإيرادات غير النفطية إلى أقل من 6% من الإجمالي.
بينما ارتفعت في السنوات التي أقرت فيها الموازنة في موعدها إلى أكثر من 9%.
وهذا يعني أن انتظام الدورة المالية للدولة يرتبط طرديًا بمستوى التحصيل غير النفطي.
ولمعالجة الأثر السلبي لتأخير الموازنة على الإيرادات غير النفطية، يمكن تبني ما يلي:
- إقرار الموازنة ضمن جدول زمني دستوري ثابت قبل بدء السنة الماليةوكما مثبت في قانون الادارة المالية رقم 6 لسنة 2019.
- تطوير نظام إدارة الإيرادات العامة إلكترونيًا (E-Revenue System) لضمان التحصيل المستمر حتى في فترات التأخير.
3.تنويع مصادر الإيرادات غير النفطية من خلال إصلاح النظام الضريبي وتوسيع الوعاء الضريبي.
- تعزيز التنسيق بين وزارة المالية والدوائر الإيرادية لضمان استمرارية الجباية دون انتظار إقرار الموازنة.
- تطبيق موازنة متعددة السنوات واقرارها قبل انتهاء السنة المالية لتقليل أثر التأخير السنوي على الخطط المالية والإيرادية، والاستفادة مما حصل في الموازنة الثلاثية للسنوات 2023-2024-2025 .
إن تأخير إقرار الموازنة العامة في العراق لا يقتصر أثره على الإنفاق فقط، بل يمتد إلى جانب الإيرادات، خصوصًا الإيرادات غير النفطية التي تمثل دعامة أساسية للاستدامة المالية.
فكل تأخير في الموازنة يؤدي إلى تراجع التحصيل، وزيادة العجز، وتفاقم الاعتماد على النفط.
لذلك، فإن إصلاح آلية إعداد وإقرار الموازنة، وتفعيل الإدارة المحاسبية والإلكترونية للإيرادات، يعدان من الأولويات لضمان استقرار الاقتصاد الوطني وتعزيز الإيرادات الذاتية للدولة.
