بغداد عاصمة الذهب بين الحلم الاقتصادي ومخاطر غسل الأموال

بغداد عاصمة الذهب بين الحلم الاقتصادي ومخاطر غسل الأموال
تُمثل تجارة الذهب في العراق مورداً اقتصادياً واستراتيجياً مهماً، لكنها أصبحت قناة محتملة لغسل الأموال بفعل ضعف الرقابة وتشتت البيانات. تتطلب المعالجة توحيد نظام KYC، وتعزيز الربط الإلكتروني بين المؤسسات، وإنشاء بورصة ذهب وطنية بشفافية عالية....

تجارة الذهب في العراق تحوّلت خلال سنتين أخيرتين من نشاط تجاري محلي إلى محور استراتيجي للاحتياطيات الوطنية ونقطة ضغط على منظومة مكافحة غسل الأموال.

تُظهِر المصادر الرسمية وتقارير المراقبة أن الاحتياطي الذهبي الرسمي لدى البنك المركزي بلغ نحو 162.6 طنًا (سجل أعلى مستوى في الربع الرابع 2024)، بينما تُشير بيانات الهيئة  العامة للكمارك ووزارة التخطيط والتقارير الإخبارية إلى استيرادات سنوية رسمية تُقدَّر بحوالي 18–28 طنًا، ما يخلق معادلة تحتاج تفسيراً رقميًا دقيقًا بين الواردات، الاستهلاك المحلي،واحتياطيات الدولة.

معطيات كمية أساسية (مصادر موثوقة)

  • الاحتياطيات الرسمية من الذهب: تَبلغ ~162.6 طن (سجلت ذروة 162.64 طن في الربع الرابع 2024 بحسب قواعد بيانات الاحتياطي/المعدن).
  • كمية الواردات الرسمية (مجمّعة عبر منافذ محددة): تقارير رسمية ومحلية تشير إلى أن إجمالي الواردات عبر بعض المطارات (بغداد/النجف…) بلغ ~28.3 طن خلال الفترة (تغطية: من تشرين الأول 2023 إلى نهاية 2024 في إحدى الإحصاءات المنشورة).
  • معدل الوارد اليومي المعلَن: تصريح وزارة التخطيط (مصرح لوسائل إعلام محلية) يشير إلى 50–75 كجم/يوم عبر المنافذ الرسمية (لا يشمل بالضرورة الإقليم الكردي أو القنوات غير الرسمية). هذا يعطي نطاقًا سنويًا تقريبيًا: 18.25 – 27.375 طن/سنة.

حسابات سريعة ودلالاتها

(أجريت الحسابات التالية بدقّة؛ وحدات: طن = 1,000 كجم = 1,000,000 غرام)

 ١. نطاق الوارد السنوي من 50–75 كجم/يوم

  • 50 kg × 365 = 18,250 kg = 18.25 طن/سنة.
  • 75 kg × 365 = 27,375 kg = 27.375 طن/سنة.

٢. قيمة الواردات التقريبية (بَناءً على تقييمات محلية تفيد أن قيمة الطن ارتفعت من ~105 مليون دولار في يناير 2025 إلى ~110 مليون دولار في منتصف 2025؛ تأثير صعود الأسعار العالمية). باستخدام هذه القيم:

  • عند 105 مليون $/طن: قيمة 18.25 ط ≈ 1.916 مليار $.
  • عند 110 مليون $/طن: قيمة 27.375 ط ≈ 3.011 مليار $.
  • قيمة شحنة إجمالي 28.3 ط (التقرير أعلاه) = بين ≈2.97 – 3.11 مليار $ حسب تقدير سعر الطن.

 ٣. مقارنة الواردات بالاحتياطيات

  • 28.3 طن واردات مقابل 162.64 طن احتياطي ≈ 17.4% (أي أن واردات سنة تقريبًا تساوي نحو 17.4% من الموجود كاحتياطي لدى البنك المركزي). هذا رقم كبير يدلّ على ديناميكية ووتيرة تداول مهمة مقارنة بحجم الاحتياطي. (28.3 / 162.64 × 100 ≈ 17.4%).

 مؤشر الاستهلاك للفرد (تبسيطي)

  • بافتراض عدد سكان ~40.15 مليون نسمة (تقديرات رسمية/تقارير دولية)؛ 28.3 طن = 28,300,000 غرام → حوالي 0.705 غرام/شخص/سنة واردات رسمية موزّعة على كامل السكان (مؤشر توضيحي، لا يقيس التوزيع الفعلي بين المستهلكين).

لماذا تثير هذه المعادلة مخاوف مكافحة غسل الأموال؟

عدة عناصر تجعل تجارة الذهب قناة معرضة لسوء الاستخدام:

١. سيولة عالية وصعوبة التتبّع: الذهب قابل للحمل، سهل التحويل، وقيمته مكثفة في مساحة صغيرة — ما يجعل التتبّع عبر الحدود أكثر تعقيدًا مقارنة بتحويلات مصرفية. (سمة عالمية موثَّقة في تقارير الطلب على الذهب).

٢. فجوة بيانات وتشتت مؤسسي: تقييم MENAFATF (تقرير التقييم المتبادل لإجراءات العراق) يشير إلى ثغرات في الفعالية المؤسسية والحوكمة في آليات مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب والتي تحتاج تعزيزًا عمليًا. هذا لا يعني غياب جهود لكنّه يكشف عن نقاط ضعف تنفيذية ومعلوماتية.

  1. أدلة سفرية على ثغرات في القطاع المصرفي: إجراءات صارمة متقطعة — مثل قرارات لحظر بعض البنوك المحلية عن التعامل بالدولار الأمريكي كأداة للضغط الرقابي — تُظهِر أن الجهات الرقابية تلجأ إلى حدود قصوى في مواجهة أنماط عنيدة لغسيل الأموال، وهو مؤشر على وجود مشكلات تنفيذية واسعة.

من أين يأتي الذهب وإلى أين يذهب؟

  • مصادر الوارد: تقارير الخبرة والتحليلات تشير إلى أن جزءاً كبيراً من الوارد يأتي من: الإمارات، تركيا، والهند (قنوات تجارية قائمة حول بورصات وأماكن التصدير في المنطقة).

كما أن الإمارات تَظهَر في بيانات التبادل التجاري بارتفاع كبير مع العراق مدفوعًا بتجارة الذهب.

  • وجهات/استخدامات: سوق التجزئة (الصاغة والمجوهرات)، مخازن استثمارية، وإعادة تصدير— وبعض الحِزَم قد تُستخدم كغطاء لحركة أموال غير مشروعة (إما بإظهار واردات وهمية، أو تضخيم كميّات عبر وثائق مزيفة، أو التلاعب بالأسعار في الإقرارات الجمركية).

الآثار الاقتصادية والمالية

  • تآكل العملة الصعبة: واردات بقيمة 3 مليارات $ سنويًا تمثل ضغطًا على نافذة الدولار في بيئة نقدية مريبة؛ هذا قد يفاقم ضغوط الطلب على الدولار ويؤثر على السياسة النقدية إن لم تكن مُراقبة بدقة.
  • تحدّي فعالية الاحتياطيات: رغم أن وجود 162.6 طن احتياطي يُعزّز موقف العراق، فإن تدفق واردات سنوية بحجم نسبته ~17% من الاحتياطي يُظهر ديناميكية عالية قد تستغلّها قنوات مشبوهة.
  • تكلفة الفرصة: قيمة واردات سنة واحدة (1.9–3.0 مليار $) لو استُخدمت في دعم قطاعات إنتاجية أو تمّت تعبئتها ضمن الاحتياطيات بآلية شفافة قد تُسهم في استقرار أكبر. (حسابات سابقة).

لماذا فشل جزء من منظومة مكافحة غسل الأموال.

١. نقص الربط الإلكتروني بين الجمارك والبنك المركزي ومكتب المكافحة → فقدان مسار رقمي موحّد للشحنة والقيمة، ما يسهل إخراج بيانات متعارضة.

٢.  ضعف تطبيق قواعد «اعرف عميلك» KYC على مستوردي الذهب (بعض التجار والمؤسسات تتعامل بحسابات وسيطة).

٣. غياب متطلبات صارمة لأصل المصدر (Certificate of Origin) والتحقق من سلسلة التوريد — خصوصاً عند تكرار التصدير/إعادة التصدير.

٤. قصور في التحليل الاستخباراتي المالي (ربط تبادل المعلومات مع شركاء خارجيين، مثل الإمارات وتركيا)؛ ويترتب على ذلك ضعف فعالية الإجراءات التعقّبية.

توصيات

أ – إجراءات فورية (قابلة للتنفيذ خلال أسابيع-أشهر):

١. فرض نافذة KYC/AML مُوحَّدة لاستيراد الذهب: رقم ترخيص استيراد مرتبط إلكترونيًا مع سجل الجمارك والبنك المركزي.

٢. حصر منافذ الاستيراد الرسمية والإعلان عنها (single window) — تقليل عدد نقاط الدخول وإلزام الشحنات بالفحص المخبري والهولمارك.

٣. إلزام مصدّري الذهب بشهادات مصدر مقبولة (chain of custody certificates) وربطها بقاعدة بيانات عالمية أو إقليمية.

ب – متوسطة الأجل (عدة أشهر إلى سنة):

١. نظام وسم رقمي / ختم إلكتروني (digital hallmarking) لكل شحنة و/أو لكل قطعة نقدًا ومجوهرات—لتمكين التتبّع داخل السوق المحلي.

٢. تحويل بيانات الجمارك/البنك المركزي/مكتب المكافحة إلى منظومة ذكاء اصطناعي لتحليل أنماط الواردات/الأسعار/المستوردين وتنبيه عن الشذوذ.

٣. اتفاقات تبادل معلومات مع دول المصدر الرئيسة (الإمارات، تركيا، الهند) للتحقق المزدوج من بيانات الشحنات.

ج – طويلة المدى (سنتان فأكثر):

١. إنشاء بورصة أو سوق مصنفة للذهب في “مدينة الذهب” المقترحة مع قواعد إدراج وشفافية مالية وإفصاح إلزامي لتجار الجملة؛ ما يساعد على تقنين التسييل عبر قناة رسمية.

٢. برنامج تدريبي قضائي وشرطي وبنكي لرفع كفاءة التعامل مع قضايا غسل الأموال عبر المعادن الثمينة.

٣. إدراج الذهب في إطار استراتيجي لاحتياطي نقدي متنوّع بآليات حفظ وفحص دورية وقواعد لحركة الشراء/البيع.

الواقع الرقمي والرقابي الحالي يدلّ على أنّ الذهب في العراق يعمل كقناة مزدوجة: رافعة استراتيجية لاحتياطيات الدولة ووسيلة قيمة لحماية الثروة، وفي نفس الوقت يمثل خطراً تمويليا إن لم تُغلَق ثغرات القياس والرقابة. الأرقام (162.6 طن احتياطي؛ 18–28 طن واردات سنوية؛ قيمة واردات سنوية تُقَدَّر بـ 1.9–3.1 مليار دولار) تُظهر أن الموازنة بين دعم القطاع وتشديد مكافحة غسل الأموال ممكنة ومن الضروريّة إدارتها عبر إجراءات تقنية وقانونية فورية ومتدرجة محور استراتيجي للاحتياطيات الوطنية ونقطة ضغط على منظومة مكافحة غسل الأموال.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *