تتّجه أمريكا ،لإستحداث نظام استعماري جديد يؤمّن مصالحها دون اضطرارها لتدخل عسكري بري مباشر أو نفقات مالية أو خسائر، وفق نظام “الحاكم الأمريكي المنفرد” للدولة المُستعمرة أو تعيين هيئة محلية كما كان الحال في العراق، وتعيين مجلس “الحكم المحلي” بزعامة الحاكم المنفرد “بريمر” أو عبر محاولة الحاكم الأمريكي “الثنائي (أورتاغوس_برّاك (في لبنان الذي يدير السياسة اللبنانية ويملي قراراته، أو عبر تعيين رئيس أو ملك أو أمير لا يمتلك أي مقومات سياسية أو شعبية ولا يحكم عبر الانتخابات التشريعية أو الأطر الدستورية كما هو الحال في تنصيب “أبو محمد الجولاني” رئيساً على سوريا وحل الجيش وتدميره وإلغاء المؤسسات الدستورية واعتماد “المياومة” السياسية والقضائية والتشريعية غير المستقرة دون تخطيط أو ، لتفكيك مفهوم الدولة والمؤسسات وإلغاء القانون واستبداله بقانون “الأمير والحي”.
إن مشروع الحكم الاستعماري الأمريكي الجديد الذي طرحه الرئيس “ترامب” لإدارة غزة عبر لجنة دولية برئاسته، ويكون رئيس وزراء بريطانيا السابق “توني بلير” المدير التنفيذي للمشروع مع مجموعة من الشخصيات المالية العربية والدولية مع تمثيل رمزي للفلسطينيين ، دون أن يكون لها أي تأثير أو شراكة في القرار، لإدارة “غزة” كمنطقة لا صفة سياسية لها ،كمنطقة فلسطينية ولا هوية إسرائيلية، بل منطقة دولية مسلوبة الهوية يمكن للسكان البقاء فيها “مؤقتًا” لإستخدامهم كعمال وعبيد وإمكانية طردهم في أي لحظة ترى أمريكا مصلحة لها أو أن الظروف مناسبة لإقتلاعهم من أرضهم بأساليب الترغيب والترهيب خلال العشر سنوات القادمة بعد نزع سلاحهم وقتل قياداتهم ،بإنتظار سلبهم الأرض والهوية.
تحاول أمريكا إنجاز مشروع شبيه في لبنان بعد نزع سلاح المقاومة بما أسمته “منطقة ترامب الاقتصادية” في جنوب لبنان كعنوان مخادع للشريط الأمني العازل لحماية إسرائيل عبر مصادرتها للقرار السياسي اللبناني وتوظيفها بعض الأحزاب والطوائف والشخصيات اللبنانية لتكون كاسحة ألغام أمام المشروع الأمريكي_الإسرائيلي.
يظن العرب والمسلمون و في مقدمتهم تركيا ،أن ما تقوم به أمريكا وإسرائيل سينحصر في فلسطين ولبنان وإيران والعراق واليمن، أي ضمن مناطق “المحور الشيعي المقاوم” للمشروع الأمريكي، وهذا أخطر الغباء وانعدام الرؤية وعدم فهم الوقائع، فالتحالف الأمريكي الإسرائيلي لا يؤيد السنة ولا الشيعة ولا المسيحيين ولا أي قومية ،بل يعتمدعلى قضم العالم دولة بعد دولة وطائفة بعد طائفة ومذهباً بعد مذهب وبعد إخضاع المسيحية الغربية للصهيونية والماسونية، بدأ بإخضاع الإسلام “للديانة الإبراهيمية” المستحدثة بعد تلقيح الإسلام بالفكر المتطرف من الوهابية إلى الجماعات التكفيرية وبعض الأحزاب والحركات الناشئة واختراق المؤسسات الدينية الإسلامية بكل مذاهبها لتفريغ الإسلام من جوهره الروحي والإنساني والثوري وجعله جسداً ميتاً، لا حراك فيه، ومن يتحرك منه، سيبقى في دائرة الطقوسية والخرافة والإنحراف.
تعتمد الاستراتيجية الأمريكية الجديدة على “إستعمار العقل” وتغيير المفاهيم والتقاليد والعادات الاجتماعية ضمن حرب ناعمة لتخدير الشعوب وإصابتها بمرض اليأس وإقناعها بعبثية المقاومة وأن الاستسلام هو الطريق الوحيد للبقاء على قيد الحياة مع رفع العصا الدائمة بالقصف والقتل والإغتيال والتدمير وتفكيك المجتمعات والحصار الاقتصادي ونهب الثروات وتغيير الهوية الثقافية للجماعات والشعوب.
حقّق المشروع الأمريكي_الإسرائيلي أهدافاً عدة من مخططه ولا يزال يجمع نقاط الربح وتقتصر مواجهته حتى الآن على حركات المقاومة في فلسطين ولبنان والعراق واليمن وإيران، وتمثل المقاومة اللبنانية حجر الزاوية في المشروع المقاوم العربي والإسلامي وخط الدفاع الأمامي عن الإسلام القرآني والهوية الثقافية والحضارية للمنطقة، وإذا استطاعت المقاومة الحفاظ على نفسها والنجاة من كَمائن الإغتيال الداخلية والخارجية فإن مشروع، “إسرائيل الكبرى والشرق الأوسط الأمريكي” لن يبصر النور، وإذا ولد، فلن يستطيع الحياة، وهذا ما قاله السيناتور الأمريكي “غراهام”( لا شرق أوسط طبيعياً ما دام “حزب الله” موجوداً ولا يمكن التطبيع في الشرق الأوسط إلا بإبعاد حزب الله عن طاولة المفاوضات(!
واجبنا الشرعي والمصلحي،حفظ المشروع المقاوم “سلاحاً وفكراً” وشعبا وعدم الوقوع في فخ المواجهة الكلاسيكية والمبادرة ،لتغيير وسائل المقاومة وساحاتها ،وفق المتغيرات الجديدة.
فلنقاوم عقائديا وموضوعيا دون إنفعال…ولنقاتل في سبيل الله وحفظ دينه..وسينصرنا الله سبحانه..وسَيُهزَمون…


