للسيد مقتدى الصدر ذكاء يقظ وحنكة عالية _في درء الفتنة

للسيد مقتدى الصدر ذكاء يقظ وحنكة عالية _في درء الفتنة
جسّد موقف السيد مقتدى الصدر حكمة القائد الواعي الذي أجهض الفتنة قبل اندلاعها، فاختار ضبط النفس على الانفعال، وفضّل مصلحة الوطن على ردّ الخصوم، مؤسِّساً نموذجاً جديداً للقيادة العراقية القائمة على العقل والتهدئة والاستقرار....

في زمن تتقاذفه الأمواج العاتية، وتزدحم فيه النوايا المتربّصة، يبرز موقف رجل بحجم السيد مقتدى الصدر ليكون شاهدًا على الحكمة، ودليلًا على البصيرة النافذة. فقبل أيام حاولت بعض الأيادي أن تصنع من الوهم حقيقة، وأن تُشيع خبرًا مفبركًا عن مؤامرة تروم استهداف حياته، متصوّرة أن الشرارة كفيلة بإشعال نار الفتنة، وأن الشارع الصدري المتوهّج بالحب والولاء سيخرج عن طوره فيغرق العراق في دوامة العنف.

لكن ما حسب له المتآمرون حسابًا، هو أن السيد الصدر لا يُقاس بمنطق الانفعال، ولا تُحاصر إرادته شائعة هنا أو تسريب هناك. فقد واجه الموقف بعقلٍ راجحٍ، وأطلق كلمته الحاسمة: لا مظاهر مسلّحة، لا استعراض للقوة، لا انجرار وراء الفتنة. فمن يخرج عن هذا النهج لن يُحسب على التيار، بل سيُتبرأ منه علنًا. كان هذا الموقف بمثابة جدار من الوعي يصدّ به السيل قبل أن يتحوّل إلى طوفان.

قيادة تجهض الفتنة

لقد أراد خصومه أن يستغلّوا ملايين المحبين المنتشرين في الشوارع والساحات، وأن يركبوا موجة الغضب الشعبي لتفتيت النسيج الوطني، لكن الرجل أفشل مخططاتهم بجملة واحدة: “هذه فتنة، والفتنة نائمة، ملعون من أيقظها”. هنا تتجلى عبقرية الزعامة؛ أن تملك القاعدة الجماهيرية الجبّارة، ثم تملك في الوقت نفسه القدرة على كبح جماحها وحمايتها من نفسها ومن الآخرين.

رسالة وطنية وتاريخية

إن موقف السيد مقتدى الصدر لم يكن مجرد قرار تنظيمي داخلي، بل كان رسالة أبعد مدى: رسالة إلى من أراد أن يختبر صبره، بأنه لا يُستفز بسهولة، ورسالة إلى الشعب العراقي بأن أمنه واستقراره أغلى من كل نزاعات ضيقة. وفي عمقها، هي رسالة إلى التاريخ بأن الزعامة الحقيقية ليست في تأجيج الجماهير، بل في تهذيبها وتوجيهها نحو ما يحفظ الوطن ويصون الدماء.

ومن زاوية أخرى، فإن هذا الموقف يعكس تحوّلاً في مفهوم القيادة السياسية والدينية في العراق. فهو يضع أسسًا جديدة للعلاقة بين الزعيم وجمهوره، قائمة على الانضباط والالتزام بالمصلحة الوطنية العليا. كما أنه أرسل رسالة ردع إلى خصوم الداخل والخارج بأن التيار الصدري ليس أداة للانفلات، بل ركيزة للاستقرار. ولعل الأهم أن هذه التجربة ستبقى معيارًا يقاس به كل فعل سياسي لاحق في العراق، بما يرسّخ الحكمة بديلاً عن العنف والانفعال.

هكذا ظهر السيد مقتدى الصدر في تلك اللحظة الفارقة: رجلًا يقرأ ما بين السطور، فيفوت الفرصة على المتربصين، ويغلق الباب في وجه كل مشروعٍ ظلامي. لم يكن انتصارًا له وحده، بل انتصار للعراق كله، حين ارتفع صوت الحكمة فوق ضجيج السلاح، وانتصر العقل على غواية الفتنة.

أيا صَدرُ يا روحَ العراقِ ومَفخرَهْ سَنادُ المروءاتِ السنيّةِ مَنبرُهْ

إذا ما تلاطَمتِ الخطوبُ بجَحفَها تجلّى ثَباتٌ لا يُزَعزِعُ صَخرَهْ

لَكَ الرأيُ مُستنْفَذٌ، وحِكمتُكَ الّتي تُبيدُ مَكايدَ كلِّ باغٍ يُدَبِّرُهْ

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *