في خضم أزمات سياسية متصاعدة، تأتي تغريدة السيد نوري المالكي لتطرح تحذيرًا مزدوجًا، يلامس جوهر العلاقة بين الدولة والإعلام، ويرسم خطًا أحمر أمام محاولات تطويع الإعلام أو إخراجه من مساره الوطني.
التغريدة لم تكن موقفًا عابرًا، بل تعبيرًا مكثّفًا عن رؤية استراتيجية تتصل بمفهوم الدولة الدستورية، وتعيد الاعتبار للإعلام كركن أساسي في المنظومة الديمقراطية.
أولًا: الإعلام بين الاستقلال والتسييس
التحذير الاول المالكي يشير إلى ظاهرة أولى “تتمثل في ملامح الأزمة السياسية“، ويضع ضمنها هجمة منهجية على الإعلام الحر، تجري باسم المصالح وتُدار تحت صمت مؤسسي مريب.
هذا الصمت، وفق القراءة، يُفقد المؤسسات الثلاث (التشريعية، التنفيذية، القضائية) قدرتها على ضبط التوازن بين السلطة والحرية.
حين لا تتدخل الدولة لحماية حرية الإعلام، فإنها تتحوّل – ولو ضمنيًا – إلى طرف في قمعه.
التحذير الثاني يتجاوز التقييد القانوني ليصل إلى محاولة هندسة وظيفة الإعلام، بحصره في زوايا التأثير الدعائي، وتغييبه عن “ملامسة القضايا الجوهرية”.
هنا، يكشف المالكي عن مسار خطير: تحويل الإعلام من سلطة رقابية إلى أداة ترفيه أو تزيين للمشهد السياسي، وهي مرحلة ما بعد السيطرة، أي “تدجين الوعي العام”.
ثالثًا: الإعلام كمرآة للدستور
تأتي عبارة: “الإعلام يعد الوجه الأبرز للدستور والحياة الديمقراطية” كخلاصة فلسفية للتغريدة.
فالإعلام، في نظر المالكي، ليس فقط مهنة أو قناة تواصل، بل تجسيد حي لمبدأ فصل السلطات وحرية التعبير.
الدولة التي لا تُصغي لصوت إعلامها، سرعان ما تفقد القدرة على قراءة نبض مواطنيها.
التحذير الرابع صناعة الرأي الواحد حين يختتم المالكي تحذيره بالتنبيه من سياسة “تكميم الأفواه”، فإنه يُحمّل الجميع مسؤولية النتائج:
– تفاقم الأزمات
– تهديد السلم المجتمعي
– وتغييب النقد البنّاء
هذه النتائج ليست تخمينات، بل مسارات واقعية مرّت بها أنظمة في المنطقة حينما قررت قمع الإعلام بدل الإنصات إليه.
إن خطورة التلاعب بالإعلام لا تكمن فقط في تكميم الأصوات المعارضة، بل في تعطيل قدرة المجتمع على مراقبة مؤسساته وكشف الفساد. فالإعلام حين يُختزل إلى أداة بيد السلطة يفقد جوهره كسلطة رابعة، ويصبح مجرد انعكاس لإرادة الحاكم. وفي الحالة العراقية، يتضاعف الخطر لأن التجربة الديمقراطية ما زالت فتية، وأي مساس بحرية الإعلام يعني تهديد مستقبل الدولة الدستورية نفسها. لذا فإن حماية الإعلام الحر ليست خيارًا سياسيًا، بل شرط وجودي لبقاء النظام الديمقراطي.
التغريدة ليست مجرد دفاع عن الإعلام… بل عن جوهر النظام السياسي الذي يطمح لأن يبقى ديمقراطيًا.
في زمن تتداخل فيه الحسابات والمصالح، يُعاد طرح سؤال جوهري:
هل نريد إعلامًا يراقب السلطة؟ أم إعلامًا خاضعًا لها؟
تغريدة المالكي تجيب بوضوح:
“إعلام بلا حرية… دولة بلا دستور.”
