القضية الشيعية كما لم تُقرأ من قبل رؤية المالكي أنموذجًا

القضية الشيعية كما لم تُقرأ من قبل رؤية المالكي أنموذجًا
تميّز نوري المالكي برؤيته الاستراتيجية التي ربطت الوجود الشيعي بمنظومة الدولة لا الطائفة، وجعلت من مبدأ «الدولة أولاً» قاعدة لحماية الهوية والمشاركة الوطنية، محوّلاً القضية الشيعية إلى مشروع سيادي وركيزة للاستقرار السياسي في العراق....

في مشهد سياسي عراقي مضطرب بطبيعته، تمايزت شخصيات كثيرة في لحظات مفصلية، لكن قلة منها امتلكت الرؤية العميقة التي تتجاوز ردود الأفعال الظرفية نحو بناء مسار استراتيجي. من بين هذه القلة، يبرز السيد نوري المالكي كأحد القادة الذين تعاملوا مع القضية الشيعية في العراق من منظور يتخطى المطالب الجزئية إلى مشروع وطني ذي عمق استراتيجي متماسك.

الميزة الفارقة التي يتسم بها المالكي هي قراءته المتقدمة للتحولات الإقليمية والدولية، وقدرته على ربط الوجود السياسي للشيعة في العراق بمنظومة الدولة لا بمنظومة الطائفة. فمنذ توليه المسؤولية، لم يتعامل مع الشيعة بوصفهم مكوّناً يحتاج إلى حماية ظرفية، بل كقوة أصيلة في معادلة الدولة، لها كامل الحق في قيادة الدولة وتحمل مسؤولياتها، لا باعتبارها “حصّة” بل باعتبارها “هوية سياسية” لها جذورها وثقلها التاريخي.

خلال فترة ولايته، شكّل المالكي رافعة سياسية ساهمت في تعزيز حضور الشيعة في مؤسسات الدولة السيادية، وسعى إلى ترسيخ مفهوم “الدولة أولاً”، كمبدأ يؤمّن الوجود الشيعي من خلال تقوية النظام لا ترسيخ الانعزال. لقد أدرك مبكرًا أن مصلحة المكوّن لا تتحقق في ظل ضعف الدولة، فخاض معارك حاسمة ضد الجماعات الخارجة عن القانون، وواجه ضغوطات داخلية وخارجية بثبات لم يكن محض مواقف سياسية، بل جزءًا من استراتيجية طويلة الأمد تهدف إلى تحقيق الاستقرار السياسي وتمكين الشيعة ضمن إطار الدولة.

رؤيته لم تكن محصورة بالإدارة اليومية للصراع السياسي، بل شملت بناء تحالفات وطنية، وحماية وحدة العراق، والتأكيد على الهوية الشيعية كعنصر مساهم في صناعة القرار الوطني، وليس كعامل تفرقة أو انعزال. ومن هنا، فإن المالكي لم يتعامل مع القضية الشيعية بوصفها ورقة تفاوض، بل كمشروع سيادي يسعى إلى دمجها في نسيج الدولة العراقية الحديثة.

البُعد الاستراتيجي لخطاب المالكي

البُعد الاستراتيجي الذي اتسم به خطابه وممارسته السياسية، جعله نقطة ارتكاز لكثير من القوى الشيعية، خصوصًا في لحظات الانقسام والتهديد الوجودي. لقد وفّر المالكي، بوعيه وخبرته، مظلة سياسية للفعل الشيعي، لا تُختصر في تمثيل انتخابي بل تمتد إلى الدفاع عن السيادة، وبناء التوازنات، وصياغة هوية الدولة بعد عقود من التهميش والإقصاء.

في نهاية المطاف، يمكن القول إن المالكي لم يكن مجرّد سياسي يدير مرحلة، بل صاحب رؤية عميقة تتعامل مع الواقع الشيعي كجزء من مشروع وطني شامل. وهذه هي الميزة التي ما زالت تجعله، حتى اليوم، مرجعية سياسية يُحتكم إليها حين تشتد الأزمات ويضطرب المسار.ر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *