في عالم يشهد تحولات كبيرة ويتغير بوتيرة متسارعة من واقع تقليدي الى عالم يوصف بالرقمي في شتى المجالات وليس الواقع القانوني منبت الصلة عنه، يتجه المشرّع في كثير من الأحيان إلى إصدار القوانين بوتيرة عالية، ظنًا منه أن ذلك يعكس دينامية الدولة وحداثتها القانونية ولمواكبة تلك التحولات، غير أن هذا الاندفاع غير المحسوب قد يقود إلى ظاهرة خطيرة تُعرف بـ “التضخم التشريعي”، وهي الحالة التي يتجاوز فيها الناتج التشريعي الفعلي للسلطة التشريعية الحاجة الفعلية للمجتمع، مما يؤدي إلى تعقيد النظام القانوني وتهديد فعاليته، وننوه هنا الى أنه قد يبدو استعمالنا لمصطلح “التضخم” أستعارة يشوبها شبه أو شك في صحتها وملائمتها للغة القانونية، لكننا هنا لا نقصد به المعنى الاقتصادي المتعارف عليه بل يستعمل بالمجاز اللغوي للدلالة على تزايد غير منضبط في حجم القوانين والنصوص والأنظمة، ويراد به ذات المعنى أيضا “الترهل التشريعي” أو “الأفراط” ، وليس بالغريب على الفقه القانوني أن يستعير الكثير من المصطلحات من علم الاقتصاد أو الاجتماع ويكيفها وفقا للسياق المعتمد في شروحاته.
وفي ضوء ذلك ننطلق في كتابة هذه المقالة من التساؤل الأتي” الى أي مدى يسهم التضخم التشريعي في إضعاف فعالية النصوص القانونية من حيث الوضوح، والانسجام، وسهولة التطبيق؟ وسوف نبين فقرات الموضوع وفقا للأتي:
أولًا: تعريف التضخم التشريعي
يُقصد بالتضخم التشريعي تلك الحالة التي تكون فيها كمية القوانين والتشريعات المُنتجة أكبر بكثير من الطلب التشريعي الحقيقي لها، ويُفهم “الطلب التشريعي” بوصفه مجموع الحاجات المجتمعية الحقيقية التي تستدعي تنظيماً قانونيًا أو معالجة تشريعية، ويحدث التضخم حين تُشرّع القوانين استجابةً لحاجات مصطنعة أو ضغوط سياسية أو شعارات شعبوية لا تمسّ صلب الواقع القانوني والاجتماعي، بل تنبع من وهم الحاجة أو من رغبة في الاستعراض السياسي أو الإعلامي.
ثانيًا: آلية اشتغال التضخم التشريعي
يبدأ التضخم التشريعي منذ اللحظة التي يكون فيها الناتج التشريعي أعلى من الطلب التشريعي والأخير يفترض أن يتحدد بالحاجة الحقيقية الضرورية لتنظيم مصالح وحاجات المجتمع وحمايتها، لا أن تكون تلبية لرغبات ترفيهية أو أهواء سياسية، أي حين يُنتج القانون أكثر مما يُطلب منه فعليًا، ومن هنا تنطلق آلية ذاتية التغذية، حيث تؤدي كثرة التشريعات إلى مزيد من التداخل والارتباك وربما التناقص وتعارض الأحكام فيما بينها مما يخلق مشكلة معقدة تتمثل بمحاولات فك للبس والتشابك فيما بين أحكامها، وربما التعارض الذي ينعكس سلبا وبشكل جلي على طبيعة المصالح التي تحميها تلك التشريعات أو تنظمها، مما يدفع بالحاجة إلى إصدار قوانين جديدة لمعالجة الإرباك الناجم من خلال محاولة المشرع تفسير الغامض منها وإيضاح ما يشوبها من أبهام، وهكذا نبقى ندور في حلقة مفرغة.
ثالثًا: مظاهر التضخم التشريعي
تتجسد ظاهرة التضخم التشريعي بكثرة القوانين وتضاربها وتعارض أحكامها، مما يصعّب على المؤسسات العامة والقضاء والمحامين والمواطنين فهم القانون أو التنبؤ بأثره المستقبلي، وهذا التضخم غالبا ما سينعكس سلبا كما نتوقع على تراجع جودة التشريع المبتغاة دائما، وذلك بسبب السرعة في صياغة وبناء القاعدة القانونية التي قد تكون مشوبة بالغموض أو الأبهام في تبيان أحكامها ومبتغى المشرع منها، رغم أننا نؤمن أن تمتاز القاعدة القانونية بمرونة كافية لكي تكون قادرة على مواكبة ما يستجد من تطورات في مجالات الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية، ومعلوم أن النص أو النصوص القانونية تمثل أرادة المشرع التي أفرغها في هذا النص تحقيقا لفلسفة يبتغيها أنية أو مستقبلية، وهذه السرعة في الإنتاج التشريعي دون مراجعة كافية أو دراسات تقييمية سوف تجعل هذا الأنتاج ربما يفتقر للجودة والرصانة والحبكة للنص القانوني، على نحو يتسبب بالإرهاق الإداري والقضائي، فكل قانون يحتاج إلى مؤسسات تطبقه، وموارد تنفذه، وموظفين يتابعونه.
رابعا: انعدام الاستقرار التشريعي
أن جوهر أزمة النظام القانوني في البلدان التي تشهد إفراطًا في إصدار القوانين والتشريعات يمكن تلخيصها من خلال محورين.
المحور الأول: تعقيد المنظومة القانونية وفقدان اليقين التشريعي
إنّ التضخم التشريعي وما يرافقه من إصدار مفرط للنصوص القانونية وأحيانا ما يتم أصدار بعضها على عجالة من الأمر، وتكرار التعديلات التي ربما تحدث دون مسوغات تنطيق والمنطق القانوني يؤدي إلى تراكم الأحكام وتعددها بصورة يصعب الإحاطة بها حتى من قبل المتخصصين وقد يؤدي ذلك الى تضارب أحكامها وقد ينسخ بعضها بعضا. وهذا التشابك ينشأ عنه تضارب قد يكون ظاهري أو موضوعي في القواعد وتعارض مما يخلق إشكاليات في التطبيق، ونتيجة لذلك قد تفقد القاعدة القانونية وضوحها واستقرارها. ومن ثمّ يتزعزع مبدأ الأمن القانوني الذي يُفترض أن يوفر للأفراد والمؤسسات القدرة على التنبؤ بمراكزهم القانونية واستقرارها والتصرف على أساسها.
وعليه يصبح القانون ذاته مصدرًا للغموض والاضطراب وعدم الاستقرار أو الرضا لدى أفراد المجتمع، بدلًا من أن يكون أداة لضبط السلوك الاجتماعي والاقتصادي.
المحور الثاني: ضعف التطبيق العملي وانعكاساته على التنمية والعدالة
إن الإفراط في سنّ القوانين لا يقابله في الغالب تطبيق فعال، بل يؤدي إلى إرباك لدى الجهات التي تطبقه سواء كانت الجهات القضائية أو الإدارية التي تجد نفسها أمام نصوص متعارضة أو يشوبها غموض أو أبهام ومن ثم تكون غير قابلة للتنفيذ العملي السليم. هذا الواقع ينتج عنه تفاوت في الأحكام وتباين في الإجراءات، مما يضعف هيبة القانون ويقوّض ثقة المجتمع به. كما أن انعدام الاستقرار التشريعي ينعكس سلبًا على المناخ الاستثماري والاقتصادي والذي يتطلب هذا الأخير بيئة مستقرة آمنة تشهد ثباتا تشريعا ووضوحا في الأحكام التي تحدد حقوق وواجبات الأستثمار، إذ يحول دون التخطيط طويل الأمد ويعطل جهود التنمية كونه يصبح عائقا بدلا من أن يكون حافزا. وبذلك، يتحول التضخم التشريعي من وسيلة تنظيمية إلى عائق حقيقي أمام العدالة والاستقرار الاجتماعي والاقتصادي.
رابعًا: أسباب التضخم التشريعي
يمكن ردّ أسباب التضخم التشريعي إلى مجموعة من المحاور الرئيسة، وهي:
أولًا: الأسباب السياسية
يميل المشرّع في بعض الأنظمة إلى إصدار قوانين خاصة لفئات أو قطاعات معينة بغية تحقيق مكاسب انتخابية أو تعزيز شرعية سياسية وهنا سوف يتم توظيف عملية صناعة التشريع بعدها أداة لخدمة النفوذ السياسي مما يترتب عليه زيادة حجم الأنتاج على نحو يفوق الطلب على الحاجة الحقيقية للتنظيم القانوني.
التقلبات السياسية: التغير المستمر في الحكومات أو البرامج السياسية ينعكس في موجات متلاحقة من التشريعات، مما يراكم النصوص دون تنسيق أو انسجام، ويمثل ذلك انعكاسا للتوجهات الأيدلوجية السياسية مما يتسبب بأحداث تراكم في حجم التشريعات.
ثانيًا: الأسباب التشريعية والفنية
غياب التخطيط التشريعي الاستراتيجي يؤدي إلى تشريع نصوص سرعان ما تُعدَّل أو يُستبدل بها غيرها، فتزداد النصوص عددًا وتتعقد بنيتها، لاسيما نتيجة كثرة التعديلات المتعاقبة، وربما تكون هذه التعديلات ضرورية بسبب تضارب في الاحكام التي تقضي بها النصوص، أو بسبب غموض أو أبهام يشوبها الأمر الذي يتطلب أصدار تشريعات أخرى أما لتفسير النصوص السابقة أو لتعديلها مما يتسبب بتراكم التشريعات.
النزعة إلى التفصيل المفرط من خلال إدخال تفاصيل إجرائية وتقنية داخل النصوص القانونية بدلًا من الاكتفاء بالقواعد العامة، يؤدي إلى تضخمها كمًّا وموضوعًا.
كما أن تعدد الجهات المشرّعة: وجود أكثر من سلطة مختصة بالتشريع أو إصدار اللوائح (البرلمان، الحكومة، هيئات تنظيمية) يسهم في تكرار النصوص وتداخلها.
ثالثًا: الأسباب الاقتصادية والاجتماعية
يأتي في مقدمة هذه الأسباب الاستجابة التشريعية للأزمات والظروف الطارئة التي كثيرا ما تتكرر في بعض البلدان الأمر الذي يجعل المشرّع يميل إلى معالجة كل أزمة أو حادثة بقانون خاص أو تعديل منفرد، مما يؤدي إلى تراكم تشريعات مؤقتة تتحول مع الزمن إلى نصوص دائمة.
كما أن تأثير التحولات الاقتصادية والاجتماعية والتقلبات المتلاحقة تستلزم من الدولة أن تسعى لمواكبة تلك التغيرات الاقتصادية أو مطالب الفئات الاجتماعية المختلفة غالبًا ما يُترجم إلى سنّ قوانين متتابعة دون مراجعة القوانين السابقة.
رابعًا: الأسباب المرتبطة بالبيئة القانونية والمؤسسية
أن أسباب التضخم التشريعي التي ترتبط بالبيئة القانونية كثيرة ومتشعبة لا يمكن حصرها في نقطة محددة او فقرات مبتسرة، لكن نحاول هنا التركيز على أهمها ومن خلال محورين:
المحور الأول: قصور السياسة والصياغة التشريعية
يُعد غياب سياسة تشريعية واضحة ومتكاملة من أبرز الأسباب المؤدية إلى التضخم التشريعي، إذ تُسنّ النصوص القانونية استجابة لحاجات آنية أو لمواجهة مشكلات قطاعية جزئية، من غير أن تستند إلى رؤية شمولية تضمن التناغم بين القوانين المختلفة. وقد انعكس ذلك بوضوح في التجربة التشريعية العراقية، حيث صدرت العديد من القوانين في مجالات متقاربة دون وجود خطة تشريعية عليا، كما في حالة قوانين الاستثمار المتعاقبة التي عُدِّلت أكثر من مرة خلال فترة قصيرة دون مراجعة شاملة للإطار القانوني الكلي للاستثمار.
كما أن الصياغة التشريعية كثيراً ما تتسم بالغموض والعمومية، مما يفتح الباب أمام تفسيرات متباينة في التطبيق. فعلى سبيل المثال، استخدام عبارات فضفاضة في بعض النصوص الضريبية أدى إلى تضارب الأحكام القضائية والإدارية بشأنها. ويُضاف إلى ذلك غياب آليات فعّالة للمراجعة والتنقيح الدوري، حيث بقيت تشريعات قديمة نافذة رغم انتفاء ضرورتها العملية، مثل استمرار نفاذ بعض القوانين الاقتصادية الصادرة في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، على الرغم من تغير البنية الاقتصادية للدولة. إن هذا القصور في السياسة التشريعية وضعف جودة الصياغة يؤديان معاً إلى تضخم المنظومة القانونية وتشعبها، ويضعفان قدرتها على تحقيق الاتساق والفعالية.
المحور الثاني: التراكم التشريعي الناجم عن التكرار والتعارض
يتجلى هذا السبب في صدور قوانين جديدة تتناول موضوعات سبق تنظيمها من دون إلغاء أو دمج القوانين السابقة، مما يخلق حالة من التراكم والتضخم. ويظهر ذلك بوضوح في العراق في مجال تشريعات مكافحة الفساد وغسل الأموال، إذ صدرت قوانين متعددة (مثل قانون هيئة النزاهة، وقانون ديوان الرقابة المالية، وقانون مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب) تتداخل في الصلاحيات والاختصاصات، من دون معالجة دقيقة لمسألة التنسيق أو إلغاء النصوص المتقاربة.
وتزداد المشكلة تعقيداً حين تصدر اللوائح والأنظمة التنفيذية بشكل متكرر أو متعارض، كما هو الحال في بعض التعليمات الوزارية الخاصة بتطبيق قوانين الخدمة المدنية أو التعليم العالي، التي تختلف في تفسيرها للنصوص ذاتها، مما يؤدي إلى اضطراب التطبيق العملي. وهذا التراكم والتكرار لا يزيد فقط من حجم النصوص القانونية، بل يضعف ثقة المخاطبين بالقانون، ويجعل عملية إنفاذه أكثر صعوبة، حيث يجد القاضي أو الموظف أو الباحث القانوني نفسه أمام كمّ كبير من القواعد المتشابكة والمتعارضة.
خامسًا: نحو محاربة التضخم التشريعي
الآثار السلبية للتضخم التشريعي
ينعكس التضخم التشريعي بصورة مباشرة وغير مباشرة على المنظومة القانونية وعلى الواقعين القضائي والإداري، ويُحدث اختلالًا في استقرار النظام القانوني. ومن أبرز هذه الآثار:
أولًا: المساس بمبدأ الأمن القانوني
يؤدي تضخم النصوص وتعددها إلى زعزعة ثقة الأفراد في استقرار القواعد القانونية، إذ يجد المتعاملون مع القانون أنفسهم أمام منظومة متغيرة باستمرار، مما يضعف القدرة على توقّع النتائج القانونية لأفعالهم، كما أنه يتسبب بعدم استقرار المراكز القانونية للأفراد
ثانيًا: تعقيد عملية تطبيق القانون
التشريعات المتراكمة والمتعارضة والمتضاربة موضوعيا أو ظاهريا تخلق صعوبة في التفسير على الجهات التي تتصدى لمهمة توضيح أحكام النصوص، والتطبيق بالنسبة للقضاة وهيئات الدفاع والهيئات الإدارية، وقد تؤدي إلى تفاوت الأحكام والقرارات تبعًا لاختلاف الاجتهاد في تحديد النص الواجب التطبيق أو تحديد معناه، كما أن التضخم التشريعي يُثقل كاهل القضاء والإدارة بكثرة النصوص المتداخلة، فيُضطر القاضي والموظف العام إلى بذل جهد إضافي لفهم النصوص ومطابقة أحكامها على الوقائع، مما ينعكس على بطء الفصل في المنازعات وتعقيد الإجراءات الإدارية.
ثالثًا: زيادة فرص الفساد الإداري والمالي
عندما تتعدد القوانين والأنظمة وتكثر الاستثناءات، يصبح المجال أوسع لتأويل النصوص واستخدامها بطرق متناقضة، مما يفتح الباب أمام إساءة استعمال السلطة وتعدد مسالك الفساد، كما أنه يتسبب بإضعاف جاذبية البيئة الاستثمارية وذلك لأن المستثمر المحلي والأجنبي على السواء يحتاج إلى بيئة تشريعية واضحة ومستقرة، والتضخم التشريعي يُنفر الاستثمار لكونه يولّد انطباعًا بعدم استقرار النظام القانوني وعدم وضوح القواعد المنظمة للأنشطة الاقتصادية
خاتمة:
ليس الخطر في كثرة القوانين فحسب، بل في انفصالها عن حاجات المجتمع الحقيقية، فالقانون يفقد شرعيته حين يصبح مجرد رد فعل ارتجالي أو أداة للترويج السياسي ومن هنا، فإن مواجهة التضخم التشريعي ليست خيارًا تنظيميًا فحسب، بل هي شرط جوهري للحفاظ على المرونة القانونية والفعالية المؤسسية أن وجود قوانين رشيقة متوازنة وواضحة يضمن أن يظل القانون في خدمة الإنسان، لا عبئًا عليه، فالتشريع ينبغي أن يكون انعكاسا لواقع المجتمع وتطلعاته، لا وسيلة لتكديس النصوص وتضخمها بلا جدوى أو على نحو يقلل جودتها ورصانتها، ومن ثم فأن التحدي الحقيقي يكمن في أيجاد معادلة دقيقة تحقق التوازن بين الحاجة الى التنظيم القانوني وبين متطلبات الاستقرار التشريعي، بحيث يظل القانون أداة للعدل والأنصاف، ووسيلة لحماية الحقوق والحريات في ذات الوقت.


