العراق صدى التحديات حين يقف الشرق والغرب على ضفتي نهرٍ واحد

العراق صدى التحديات حين يقف الشرق والغرب على ضفتي نهرٍ واحد
يقف العراق بين ضغوط الغرب والمنطقة، محاولاً تحقيق التوازن والحفاظ على استقلال محدود، ما يجعله دولة ممكنة أكثر من كونه دولة قائمة، ويستدعي إعادة تعريف هويته السياسية ومستقبله بوضوح....

السياسة العراقية اليوم ، تبدو كمن يقف وسط مرآتين ،، واحدة تعكس وجه الشرق الأوسط بما فيه من مرارة ، والأخرى تعكس ملامح الغرب ، بتجاعيد مصالحه القديمة الجديدة . كلا المرآتين تكشفان شيئاً ، وتخفيان أكثر . والعراق ، بزيّه السياسي المعروف لدى الجميع  ، يحاول أن يبدو أنيقاً أمام الطرفين .

منذ 2003،  كان يُنظر إلى العراق كـغرفة طوارئ للسياسة الدولية ، كل الأيادي تُمد ، لكن لا أحد يمد الدواء الحقيقي . أما الآن ، فقد تحوّل إلى [غرفة اجتماعات ] . فيها الغرب والشرق الأوسط يجلسان على طاولة واحدة ، لكن كلٌ منهم يحاول أن يسحب الكرسي العراقي باتجاهه .

الوجه الغربي ،، بين الديمقراطية المؤجلة والمصالح المعجلة في تعامله مع الغرب ، العراق يبدو كمن يحاول التوازن بين اعترافه بفضل الغرب في إعادة تشكيل النظام السياسي ، وبين إدراكه العميق أن هذا التشكيل كان أشبه بإعادة ترتيب حطام لا بناء دولة . الأميركيون يتحدثون عن الشراكة ، لكنهم يُمسكون بخيوط الاستثمار الأمني والاقتصادي بشروطهم الخاصة .

الغرب يريد من العراق أن يكون مستقراً بما يكفي لحماية المصالح ، وغير مستقل بما يكفي ليغرد خارج السرب . وبالنتيجة ، تبدو السياسة العراقية وكأنها تدور في مدار واشنطن ، ولكن بسرعة أبطأ من الضوء وكأنها تسير إلى الأمام بعينين مغمضتين .

الشرق الأوسط ،، الأصدقاء الذين يتغيرون حسب الطقس

أما في محيطه الإقليمي ، فإن العراق يقف كأرضٍ حدودية بين محورين – أحدهما يدعوه إلى الانخراط في لعبة المحاور الطائفية ، والآخر يشجعه على دور الوسيط – بشرط ألا ينجح كثيراً . الجغرافيا تلزم العراق بأن يصافح إيران والسعودية وتركيا في آنٍ واحد وهذا بطبيعة واقع حال وللاسف الشديد ، لكن التاريخ الحديث يُشهر أصابعه محذراً [ لا تلعبوا بالنار فوق هذه الأرض المبللة بالدموع ]

السياسة العراقية تجاه الشرق الأوسط ليست ثابتة ، بل هي ذات نبضٍ متردد . مرةً تميل نحو تحالفات الأزمات ، ومرةً تنكفئ في العزلة المدروسة ، ومرةً تتظاهر بالحياد الإيجابي ، وإن كان هذا الحياد يُشبه الصمت في جنازة الضجيج .

مفارقة الكرسي والمفتاح !!

الغرب يمنح العراق ( الكرسي ) في المؤتمرات ، بينما يُخفي عنه مفتاح القرار . والشرق الأوسط يمنحه “الوعود” ، بينما يطالبه بالدفع مقدماً من استقلاله السياسي . وهكذا ، يبقى العراق في موقع “الدولة الممكنة”، لا “الدولة القائمة”، تدير شؤونها بين ضغطين – ضغط الخارج غير المتفق ، وضغط الداخل غير المستقر .

واخيرا وليس اخراً

فان العراق لا يملك رفاهية اختيار جبهة واحدة ،  لكنه أيضاً لا يستطيع أن يرضي كل الجبهات . وهو، الآن ، في لحظة فارقة – إما أن يتحول إلى لاعب مستقل بملامح واضحة ، أو أن يبقى حلبةً لتصارع الرؤى ، لا صانعاً لها ، ونبقى نحن في دوامة السياسية نتلاطم مع امواجها .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *