هجرة الشباب من إقليم كردستان العراق: البحث عن “الحياة” عبر قوارب الموت

هجرة الشباب من إقليم كردستان العراق: البحث عن “الحياة” عبر قوارب الموت
تشهد كردستان عراق هجرة شبابية واسعة بسبب البطالة وانقطاع الرواتب وغياب العدالة، ما يدفع آلاف الشباب للمخاطرة بطرق تهريب خطرة. الحل يتطلب فرص عمل، إصلاح مؤسسي، وحماية ضد شبكات الاتجار بالبشر....

عشرات الآلاف من الكرد، حاولوا خلال السنوات الأخيرة التي شهد فيها الإقليم استقراراً أمنياً وطفرة عمرانية، الهجرة إلى خارج البلاد والاستقرار في أوروبا أو أستراليا أو أميركا، مدفوعين في غالبيتهم بغياب فرص العمل، وتراجع الوضع المعاشي نتيجة أزمات انقطاع الرواتب الحكومية، إلى جانب غياب العدالة الاجتماعية، وتعثّر المسار الديمقراطي، وتآكل البنى المؤسّساتية.

“أصبحت جنّة للمسؤولين وعائلاتهم، وجحيماً لنا”، هذا ما يقوله الصحافي الكردي هزار علي، معلّقاً على انطلاق موجات جديدة من المهاجرين الكرد من إقليم كردستان العراق إلى أوروبا، ومبرّراً هجرته قبل أربع سنوات من الإقليم الغني بالنفط إلى بريطانيا، بأنه رحل بحثاً عن “الأمن والاستقرار والمستقبل”.

لا تتوقّف هجرات الشباب الكردي منذ تسعينيات القرن الماضي إلى اليوم، بل تكتسب زخماً مع كلّ أزمة اقتصادية أو سياسية يشهدها إقليم كردستان ذو الإدارة شبه المستقلّة، التي كانت طوال عقود “الحلم الكردي” الأكبر للخلاص من الأنظمة الاستبدادية الحاكمة.

وترتفع معدّلات الهجرة بشكل دوري في الأشهر الأخيرة من كلّ عام، حيث ينتظم عشرات الشباب يومياً في مجموعات تنطلق مجرّبة حظّها على طرق الهجرة غير الشرعيّة، رغم المخاطر التي تحملها مساراتها المتعدّدة، سواء عبر تركيا، أو دول شمال شرق أوروبا، أو عبر ليبيا وهو “طريق جديد” يشهد بشكل متكرّر حالات فقدان واعتقال، وحتى حوادث مميتة لمهاجرين كرد.

كان هزار صحافياً معروفاً في مدينة السليمانية، لكنّ تهديدات مباشرة من جهات محسوبة على السلطة أجبرته على اتّخاذ قرار الهجرة إلى بريطانيا، بعد انتقاده عبر وسائل التواصل الاجتماعي “تعطّل البرلمان والحكومة، وغياب العدالة والتضييق على الحرّيات، وتراجع المستوى المعيشي نتيجة تعطّل دفع الرواتب، مقابل تشكّل طبقة مرفّهة من المسؤولين وعوائلهم”، كما يقول.

ترك الصحافي عمله وعائلته، وقرّر المضي في طريق الهجرة غير الشرعيّة، في رحلة بدأت من تركيا وامتدّت لعدّة دول، واجه خلالها الموت مرّات عدّة، حسب قوله، من أجل الوصول الى ما يصفه بـ”شاطئ الأمان”.

قارب الموت

مع خطوته الأولى للرحيل، تعرّض هزار إلى مضايقات في مطار أربيل الدولي، إذ أوقفه رجال الأمن لنحو نصف ساعة للاستفسار عن أسباب سفره إلى تركيا، لا سيّما وأنه صحافي ذائع الصيت في الإقليم.

ولم ينتهِ الأمر عند ذلك الحدّ، فقد تمّ توقيفه كذلك في مطار صبيحة في إسطنبول التركية، والتحقيق معه لأكثر من ساعة، ووجّه إليه المحقّق اتّهامات بدعم حزب “العمّال الكردستاني” التركي المعارض، وأنه يعمل في مؤسّسة إعلامية تسجلّ السلطات الأمنية التركية مؤشّرات عليها بأنها من الداعمين لهذا الحزب.

بعد معاناة التنقّل التي عاشها على مدار عشرة أيّام في تركيا، صيف العام 2021 اتّفق هزار مع أحد المهرّبين في مدينة إزمير، لإيصاله إلى إيطاليا مقابل 16 ألف دولار أميركي، على متن قارب طوله ثمانية أمتار ضمّ نحو 80 شخصاً.

يقول مستذكراً: “بقينا نحو ستّة أيّام في عرض البحر، واجهنا الموت مرّات عدّة مع ارتفاع الأمواج، وتسرّب كميّات كبيرة من المياه إلى القارب… ما زلت أتذكّر صرخات النساء والأطفال، كنّا على وشك الغرق، ولولا عناية الله لكنّا اليوم في عداد الموتى أو المفقودين”.

بعد أسبوع من انطلاقه وصل “الصحافي الهارب” إلى إيطاليا ومنها انتقل إلى بريطانيا، ليستقرّ هناك بعد حصوله على حقّ اللجوء. يقول: “لا أستطيع إلى اليوم نسيان لحظة صعود قارب الموت. كان مزيج من الخوف والألم والرغبة في الصراخ والكثير من الحزن ينتابني… شعور بأنني أرحل مرغماً من وطني إلى أرض لا أعرفها”.

المعاناة ذاتها تكرّرت مع الناشط الكردي الشاب (ه. ز) حين قرّر في تشرين الأوّل/ أكتوبر 2022، ترك منطقته ورتي التابعة لمحافظة أربيل والهجرة أيضاً عبر تركيا، بعد أن لاحقته الأجهزة الأمنية، بتهمة التحريض على تعكير الأمن، لنشره “بوستات” تنتقد السلطات لمنعها التظاهرات المطالبة بالرواتب والخدمات، حيث اتّفق مع مهرب على ركوب قارب صغير سيحمل نحو 90 شخصاً، بينهم نساء وأطفال، مقابل 17 آلاف دولار، على أن يعبر بحر إيجه إلى اليونان، ومنها يغادر إلى إحدى دول الاتّحاد الأوروبي.

حدّد المهرّب موعد المغادرة عند الساعة الواحدة بعد منتصف الليل، لبدء رحلة التهريب البحرية، غير أن (ه.ز) كان قلقاً من الرحلة، وظلّ نائماً ولم يلتحق برحلته في الموعد المحدّد، ليغادر القارب دونه. فكُتبت له بذلك حياة جديدة حسبما يقول، إذ غرق القارب بعد نصف ساعة من إبحاره، ولم ينجُ من ركّابه سوى خمسة أشخاص فقط.

يقول: “كان بين الغرقى عائلة مؤلّفة من ستّة أشخاص، الوالدين وأربعة أطفال، أُجبر ربّ العائلة على مغادرة مدينته أربيل إثر خلاف عشائري مع أبناء أحد المسؤولين، فقرّر الهجرة مع عائلته، إلا أن البحر ابتلعه مع زوجته وأطفاله”، يتابع: “مات معهم حلمهم بالنجاة، دُفنوا في البحر، حتى دون قبور تُخلّد ذكراهم”.

الناشط الكردي، الذي شدّد على عدم ذكر اسمه، خوفاً على عائلته، قرّر المضيّ في مغامرته، لكن بتغيير بسيط، وهو الهجرة عبر البرّ بدل البحر، واتّفق مع مهرّب في نهاية تشرين الأوّل/ أكتوبر لإيصاله إلى بيلاروسيا مقابل 11 ألف دولار.

أمضى في رحلته تلك نحو 16 يوماً، مشياً على الأقدام بين الغابات والأحراج برفقة عشرين شخصاً آخرين، بينهم نساء وأطفال، حتى وصل إلى مقصده، ثم غادر من هناك إلى ألمانيا، ليحصل على اللجوء السياسي في نهاية العام 2023.

وتتكرّر حوادث الموت على الطرق البرّية الحدودية بين دول شرقي أوروبا، نتيجة إطلاق النار من حرّاس الحدود، أو حوادث الموت غرقاً في البحر، إذ يفقد العشرات من ركّاب قوارب المهرّبين حياتهم سنوياً، لأسباب عديدة، أهمّها رداءة القوارب التي يستخدمها المهرّبون وتهالكها، ويحدث هذا عمداً كي لا تكون خساراتهم كبيرة في حال غرقت، أو تمّ ضبطها من قِبل القوّات الأمنية .

أكثر من 148 ألف مهاجر

عشرات الآلاف من الكرد، حاولوا خلال السنوات الأخيرة التي شهد فيها الإقليم استقراراً أمنياً وطفرة عمرانية، الهجرة إلى خارج البلاد والاستقرار في أوروبا أو أستراليا أو أميركا، مدفوعين في غالبيتهم بغياب فرص العمل، وتراجع الوضع المعاشي نتيجة أزمات انقطاع الرواتب الحكومية، إلى جانب غياب العدالة الاجتماعية، وتعثّر المسار الديمقراطي، وتآكل البنى المؤسّساتية.

بعضهم يتحدّث عن أسباب أخرى كضبابية المستقبل، في ظلّ انتشار السلاح غير المنضبط الذي يربك الأمن، وسطوة النفوذ التركي والإيراني وهجماتهما المستمرّة على أهداف في عمق الإقليم، إلى جانب هجمات مسيّرات الفصائل العراقية المسلّحة على مواقع مختلفة في كردستان، بينها منشآت نفطية ومواقع استثمارية.

ويعاني إقليم كردستان من أزمات اقتصادية ومالية منذ العام 2013، لعل أبرز مظاهرها يتمثّل في تأخّر صرف رواتب الموظّفين والمتقاعدين (البالغ عددهم نحو مليون و250 ألفاً) بشكل شبه دائم وعدم دفع راتب واحد أو اثنين وثلاثة كلّ عام، في ظلّ نظام اقتصادي يعتمد بشكل أساسي على الرواتب في تحريك السوق وكلّ حلقات العمل.

كما يواجه انسداداً سياسياً مزمناً، نتيجة تعطّل البرلمان الكردستاني منذ أكثر من ثلاثة أعوام، إلى جانب عدم وجود حكومة موحّدة كاملة الصلاحيات، وفي ظلّ تحكّم كلّ حزب في مناطق نفوذه بالقرارات الحكومية، وغياب العمل المؤسّساتي، واستمرار انقسام قوّات “البيشمركة” والأجهزة الأمنية.

وبعد 11 شهراً على انتخابات برلمان كردستان التي أُجريت في تشرين الأوّل/ أكتوبر 2024، ما زالت الصراعات على المناصب والوزارات الرئيسية تعرقل تشكيل حكومة جديدة، وسط ترجيحات بتأخر تشكيلها إلى ما بعد انتخابات البرلمان العراقي، المزمع إجراؤها في 11 تشرين الثاني/ نوفمبر2025، علّها تفتح الباب أمام تسويات سياسية، واتّفاقات بشأن توزيع المناصب وحصّة كلّ حزب في حكومتي أربيل وبغداد.

وهاجر 148,400 مواطن كردي من إقليم كردستان منذ العام 2014، غالبيتهم من الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و25 عاماً، بينهم نسبة كبيرة من النساء والأطفال، وفقد 414 شخصاً منهم حياته، غالبا غرقاً في البحر، واختفى آخرون دون أثر، وفقاً لرئيس جمعية “اللاجئين العائدين من أوروبا” في إقليم كردستان بكر باباني، الذي يشير إلى أن وُجهة المهاجرين الكرد هي بريطانيا أوّلاً، تليها ألمانيا ثانياً.

ويرى باباني أن غياب العدالة الاجتماعية وظهور نوع من الطبقية في السنوات الأخيرة، إلى جانب البطالة المتفشيّة وسط شريحة الشباب، مقابل توافر فرص العمل لأقارب المسؤولين وأفراد عائلاتهم وتمتّعهم بحياة مرفّهة، من أبرز العوامل التي تدفع إلى الهجرة من الإقليم.

بختيار حسن مدير مديرية شؤون شباب رابرين في محافظة السليمانية، قال في منتصف آب/ أغسطس 2025: “إن الأشهر السبعة الأولى من العام الحالي، شهدت هجرة أكثر من 5000 شابّ، 1100 منهم من منطقة رابرين، بسبب البطالة والملل من طبيعة حياتهم”، حسب تعبيره.

مسارات التهريب

يلجأ المهاجرون إلى سلسلة طرق غير شرعية للوصول إلى أوروبا، معتمدين على شبكات مهرّبين ينشطون في تركيا ودول أوروبية، ومؤخّراً في دول في شمال أفريقيا، يعرفون محلّياً بـ”القجخجية”، وهم يستكشفون بشكل مستمرّ كلّ المسارات الممكنة للتهريب برّاً وبحراً وجوّاً.

وتُعدّ تركيا الوجهة الأبرز للتهريب إلى أوروبا، حيث أصبحت مدينة إزمير على ساحل البحر الأبيض المتوسّط، من المناطق النشطة في تهريب آلاف الأشخاص بالقوارب إلى كلّ من اليونان وإيطاليا.

وهناك طرق أخرى عبر البرّ، ومن خلال بيلاروسيا وبلغاريا. وأُضيف إلى هذين الطريقين مؤخّراً طريق ثالث عبر ليبيا وتونس، وفقاً لرئيس جمعيّة “اللاجئين العائدين من أوروبا”، الذي يؤكّد أن “عدداً من مواطني إقليم كردستان يحصلون على تأشيرات سفر إلى هذين البلدين، ويسافرون إليهما عبر مطاري بغداد وأربيل الدوليين، ثم يحاولون عبر البحر الوصول إلى أوروبا”.

ذلك المسار الجديد للهجرة يبدو أكثر خطورة، وفرص الوصول ضئيلة وحالات الاستغلال والاعتقال والفقدان كبيرة، رغم الوعود التي يقدّمها المهرّبون. بحسب شهادات ناجين، أكّدوا تعرّضهم للضرب والسرقة ثم الاعتقال لعدّة أيّام، مع صعوبة بالغة في تأمين التواصل مع الجهات العراقية لإنقاذهم، فقد تطلّب إعادة 25 مهاجراً كردياً في 11 أيلول/ سبتمبر الماضي إلى أربيل، تمّ العثور عليهم في ليبيا، أسابيع من الاتّصالات، بعد أن هاجروا في صيف العامّ الحالي.

يقول باباني: “في الدولة الأفريقية يجني المهرّبون مقابل كلّ شخص مبلغاً يقارب 17 ألف دولار أميركي، في حين تبلغ تكلفة تهريب الشخص الواحد من تركيا 12 ألف دولار، وعن طريق البرّ إلى بيلاروسيا ما بين 12 -20 ألف دولار أميركي، مع احتساب تكلفة طفلين دون سنّ العاشرة بكلفة شخص واحد، حسب قوله.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *