الصراط المستقيم واختيار الطريق الصحيح
لماذا نردد في صلاتنا مرارًا كل يوم “اهدنا الصراط المستقيم”، أو لسنا الآن باعتبارنا مسلمين مؤمنين نسلك الصراط المستقيم؟ هل نشك في الخط الذي نسير فيه ونحتمل في أنفسنا الضلال؟ أم ماذا؟ في الواقع، إن الصراط المستقيم ليس طريقًا يبحث عنه الإنسان عند مفترق طرق، فإذا ما اهتدى إليه سلكه واستمر في السير عليه مرة واحدة إلى الآخر. بل الإنسان في كل لحظة، وأمام أي موقف أو كلمة، يجد أمامه طرقًا كثيرة وخيارات عدة، أحدها يمثل الصراط المستقيم، بينما البقية طرق ملتوية معوجة. وفي كل لحظة يتعرض الإنسان لخطر الانحراف والتنكب عن الصراط المستقيم الذي يسير عليه، ولذلك يردد دائمًا “اهدنا الصراط المستقيم”.
الاستقامة في السير على الصراط المستقيم
فالمطلوب ليس مجرد اكتشاف الخط الصحيح في الحياة والبدء بالسير عليه، بل المطلوب الاستقامة في السير والاستمرار عليه حتى النهاية.
الوقاية من الزيغ والضلال بعد الهداية
إن الله يلفتنا أن نطلب منه الوقاية والسلامة من الزيغ والضلال بعد الهداية والصلاح. فيعلمنا أن نقول “ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب”. وفي مورد آخر يذكرنا الباري عز وجل بقصة ذلك العالم الإسرائيلي الكبير “بلعم بن باعوراء” كنموذج سيء للسقوط في أوحال الكفر والضلال بعد أن كان متسنمًا الذروة في الهداية والصلاح، يقول عنه تعالى: “واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها، فاتبعه الشيطان فكان من الغاوين. ولو شئنا لرفعناه بها، ولكن أخلد إلى الأرض واتبع هواه، فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث. ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا فاقصص القصص لعلهم يتفكرون.” (الأعراف 175-176)
التوبة والسقوط: نموذج إبليس
وإبليس ألم يكن عابدًا لله خاضعًا حتى رفعه الله إلى درجة الملائكة مع أنه من الجن؟ كما يقول تعالى: “إن إبليس كان من الجن”. ولكنه في لحظة انحراف واحدة أصبح رمز الشقاء والضلال إلى يوم القيامة.
العنوان الفرعي 5: سقوط برصيصا بعد السير على الهداية
وتحدثنا الروايات التاريخية عن بعض النماذج التي أصابها السقوط والانحراف بعد أن قطعت شوطًا طويلًا في السير على خط الهداية والصلاح.
برصيصا العابد الزاهد: النموذج السيئ للسقوط
مثلاً، “برصيصا” ذلك العابد الزاهد الذي كان قدوة في الخشوع والخضوع لأحد مجتمعات بني إسرائيل، ولِفضله ومكانته عند الله كان مستجلب الدعاء. يأتي بالمجانين والمرضى فيدعو لهم ويعوّذهم فيطيبون على يديه. وذات مرة جيء له بامرأة جميلة ذات شرف أصابها الجنون وتركها أخوتها في صومعته ليشفيها الله ببركة أنفاسه ودعائه. وفي لحظة سيئة، واذا بذلك العابد الزاهد يمارس الفاحشة مع تلك المريضة المجنونة.
الجريمة والخطيئة تلاحق العابد الزاهد
وانتبه على نفسه بعد الجريمة، وإذا بالمرأة قد حملت منه، ياللفضيحة والعار، وهنا قرر أن يقتلها ويدفنها في الصحراء ليتخلص من الفضيحة. لكنه اضطر للاعتراف بذلك أمام السلطة، وحكم عليه بالإعدام مصلوبًا بعد إدانته بجريمتين: القتل والزنا.
السقوط النهائي: كيف قادته الهوى إلى السجود للشيطان
ولم يخلص من الشيطان بل أتاه وهو على خشبة الإعدام وطلب منه السجود ليخلصه من الموت. فقال له كيف لي ذلك؟ فقال له بالإيماء. وبذلك انتهت حياته إلى السقوط والسجود للشيطان بعد أن كان عابدًا زاهدًا، لأنه اتبع هوى نفسه، فأوقعته في براثن الرذيلة والشقاء.
الخاتمة
ما أقواك لو خالفت هواك.
إن الخطر الذي يواجه الإنسان في مسيرته الدينية والروحية يكمن في عدم مقاومة أهواء النفس. فالإنسان رغم ما يملكه من إيمان وعمل صالح، يبقى دائمًا معرضًا للانحراف إذا لم يراقب نفسه ويضبط رغباته. لذلك يجب على المؤمن أن يكون واعيًا دائمًا لهذه الهوى، وألا يظن أن العمل الصالح الذي قام به في مرحلة معينة من حياته هو ضمانة له للثبات على طريق الهداية. الإنسان، كما علمتنا القصص القرآنية والأمثلة التاريخية، يحتاج إلى يقظة دائمة لئلا يقع في فخ الشيطان الذي يزين له خطايا، حتى يجره بعيدًا عن الطريق المستقيم.


