للاسف الشديد ظهرت في الآونة الأخيرة وخلال السنوات الاخيرة ظاهرة غريبة وخطيرة في شوارع بعض المدن العربية ، تتعلق بسائقي الدراجات النارية الذين يتعمّدون إطفاء مصابيح دراجاتهم ، سواء في الليل أو في الأجواء الضبابية . الغريب في الأمر أن هذه الممارسة لا تُبرَّر بعطل فني ، بل بدافع اجتماعي ثقيل الظل ، يربط بين إطفاء المصباح وإثبات “الرجولة” أو “الفُحولة”، حتى أصبح من يُبقي مصباح دراجته مضاءً يُوصم بعبارات مثل “نثية” أو “جبان”.
سلوك متهور متستّر بعباءة “الرجولة”
يرى بعض الشباب ، خصوصاً من فئة المراهقين ، أن القيادة بدون إضاءة تُظهر الشجاعة والتمرد ، في حين يعتبرون الالتزام بقواعد السلامة نوعاً من الضعف أو الخضوع . وهذا التفكير المشوّه يعكس أزمة قيم أكثر مما يعكس سلوكاً عابراً . فربط الرجولة بإطفاء المصباح هو صورة مصغّرة عن كيفية تحوّل مفاهيم القوة والهوية في أذهان البعض إلى استعراض أجوف وخطر .
أرقام الحوادث في ارتفاع
تشير تقارير مرورية في عدة مدن وخاصة الجنوبية إلى ارتفاع عدد حوادث الاصطدام بين الدراجات النارية ، لا سيما في الليل ، حيث لا يتمكن السائقون من رؤية بعضهم البعض بسبب إطفاء الأضواء الأمامية ، وفي بعض الحالات ، لم يتعرف السائق الآخر حتى على وجود دراجة أمامه إلا بعد الاصطدام ، ما أدى إلى إصابات خطيرة ووفاة عدد من الشباب . هؤلاء ضحايا “رجولة مزعومة” دفعتهم إلى الموت أو التسبب بإعاقات دائمة .
العقل أم التهلكة ؟
السؤال الذي يجب أن يُطرح على كل من يروج لهذه الظاهرة هو .. منذ متى أصبح خرق قوانين السلامة مقياساً للرجولة؟ ومنذ متى أصبح تعريض النفس والآخرين للخطر شجاعة ؟ الواقع أن الشجاعة الحقيقية اليوم هي في القدرة على اتخاذ القرار الصحيح ، حتى لو خالف ثقافة القطيع، والرجولة ليست في طمس النور بل في أن تكون منارة لغيرك في طريق مظلم .
الحل في التوعية والمساءلة
لمواجهة هذه الظاهرة ، لا يكفي اللوم فقط ، بل لا بد من خطة توعية شاملة تبدأ من المدارس ووسائل الإعلام ، وتصل إلى فرض قوانين صارمة على سائقي الدراجات النارية . يجب أن تكون هناك عقوبات واضحة لإطفاء المصابيح عمداً ، تماماً كما تُفرض عقوبات على القيادة بدون رخصة أو ارتداء الخوذة .
كما ينبغي التعاون مع مؤثري مواقع التواصل الاجتماعي لإعادة تعريف مفاهيم “الرجولة” و”القوة” بشكل إيجابي ، وتحويل هذه الطاقات المتهورة إلى مجالات بنّاءة .
ظاهرة إطفاء مصابيح الدراجات النارية ليست مجرد مخالفة مرورية ، بل مرآة لتشوه ثقافي يتطلب وقفة حقيقية من الجميع . فحين تُقاس الرجولة بالتهور ، يكون الثمن أرواحاً تُزهق بلا معنى ، وأُسراً تفقد أبناءها وهم في عمر الزهور . لنُشعل المصابيح ، ولنُطفئ الجهل .
المعالجة بتظافر جميع الجهود – القانون والمجتمع والاسرة .


