هل بدأت الطائفة الشيعية باستنفاد رصيدها الذي كوّنه الإمام المغيّب بالجهد والتعب وتسبّب بتغييبه؟

هل بدأت الطائفة الشيعية باستنفاد رصيدها الذي كوّنه الإمام المغيّب بالجهد والتعب وتسبّب بتغييبه؟
الإمام موسى الصدر غيّر واقع الشيعة في لبنان عبر مواجهة الإقطاع والأحزاب، وتأسيس مؤسسات دينية واجتماعية وحركة أمل، مؤكداً على العيش المشترك ورفض إسرائيل، فارتقى بالطائفة إلى موقع مؤثر رغم التحديات والضغوط الداخلية والخارجية....

زخر جبل عامل بعلماء عظام ومراجع على المستوى الديني قلَّ مثيلهم في تاريخ العلوم الدينية، وقد أغنوا التراث الإسلامي بفائض علمهم وثقافتهم التي وصلت إلى أماكن بعيدة وانتشرت حيثما وجد الفكر الجعفري. وكان لبعضهم، إلى جانب علومه الفقهية والشرعية، مشاركة سياسية وتصدي لمواقف كان لها أثر في تغيير مجرى الأحداث تاريخيًا، كالسيد عبد الحسين شرف الدين الذي ترك بصمته العليا في مؤتمر وادي الحجير سنة 1920، والذي كان القاعدة الأساسية لانطلاق المقاومة بكافة أشكالها ضد الاستعمار الفرنسي وضد تقسيم الوطن العربي أو تجزئته.

من الطبيعي أن نذكر عددًا من العلماء الذين شاركوا بآرائهم ومواقفهم السياسية. ونحن نتحدث هنا عن الجغرافيا اللبنانية، كالشهيد الشيخ راغب حرب، والسيد عباس الموسوي، والسيد حسن نصرالله، وغيرهم. ولكن حديثنا اليوم عن شخصية استثنائية حفرت في ذاكرة الجنوبيين خاصة، والشيعة كطائفة ممتدة على مساحة الوطن عامة، عنينا بها الإمام المغيّب موسى الصدر.

هذا الرجل الذي استطاع تغيير مصير طائفة بأكملها، ونقلها من موقع كانت فيه تعيش الحرمان والإقطاعية البشعة والتجاهل، إن لم نقل الازدراء، من طرف من كان يملك زمام الأمور السياسية والحياتية والمشاريع والإنماء في الكيان اللبناني، ولم يُعر تطلعاتها أي اهتمام، بل بالعكس، فقد أُريد لها أن تبقى – رغم أنها الطائفة الأكبر عددًا – ملحقة ببقية الطوائف في أسفل السلم الوظيفي.

الإمام المغيّب… مصلح لا يحدّه زمان أو مكان

قدِم السيد موسى الصدر إلى لبنان – والذي تعود جذور عائلته إليه وتحديدًا بلدة شحور الجنوبية، وإن كان من مواليد إيران – بناءً على دعوة من السيد شرف الدين، ذلك الرجل الذي حاباه الله بفراسة قراءة الرجال ومواءمتها مع حاجات بلده وطائفته، لينوب عنه بعد وفاته في إدارة شؤون الطائفة، وخاصة في منطقة صور ومحيطها.

لكن الصدر، ومنذ بدايات إطلالته على شؤون الطائفة والبلد، لم يدع مجالًا لأن تحدّه أمكنة أو أزمنة، فقد كان ذا قدرة وعين ثاقبة على رؤية مشاكل طائفته والعمل على إيجاد الحلول لها، ولو اضطره ذلك لوصل الليل بالنهار.

المواجهة مع الإقطاع والأحزاب

كان الاصطدام الأول له مع العائلات الإقطاعية التي رأت فيه محررًا للطائفة من نير الإقطاع، وكسراً لسلاسله التي قيّدت أبناءها. فقد كانت بضع عائلات في مناطق الوجود الشيعي تملك كل شيء: الأرض، البيوت، وحتى جهد وعرق الفلاحين. وكان “البيك” هو الآمر الناهي في مناطقه دون أن يقدّم للبلدات أي مقابل من مدارس أو مستشفيات أو كهرباء أو مياه.

من هنا ابتدأ الصدر بتثقيف الناس وتوعيتهم، وفتح الآفاق أمام الطائفة، لتبدأ كراسي الإقطاع بالاهتزاز. أما العدو الثاني له داخل الطائفة فكانت الأحزاب اليسارية والفلسطينية التي كان خزانها الأساسي من أبناء الطائفة الشيعية، فواجهها، وكان له ما أراد، إذ بدأت الناس تعي أن لها حقوقًا وبدأت بالمطالبة بها خلف الصدر.

مؤسسات ومقاومة

أنشأ الصدر مؤسسات رسمية وغير رسمية للطائفة، كـ المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، ومؤسسات الإمام الصدر من مدارس ودور أيتام ومستشفيات وغيرها، وصولًا إلى تكوين أفواج المقاومة اللبنانية (أمل) لتكون درعًا حاميًا للجنوب وللوطن.

لم يكن الصدر معمّمًا عاديًا، بل كان مفكرًا ومثقفًا وكاريزميًا لم ينافسه فيها أحد. ولا يزال رغم الغياب أكبر الحاضرين. فهم السياسة اللبنانية ودهاليزها وأجادها، وكانت علاقته بجميع اللبنانيين جيدة. ولطالما رفض الاقتتال الداخلي، ورفض أن يكون الجنوب منصة يدفع أهله ثمن التخاذل العربي. وكان يردد:

“لا نقبل أن يبتسم لبنان ويبقى جنوبه متألمًا.”

وفي قضية العيش المشترك رفع شعاره:

“لبنان لا يحلّق إلا بجناحيه المسلم والمسيحي.”

أما عن العدو الصهيوني فكان الإمام أوضح ما يكون حين قال:

“إسرائيل شرّ مطلق، والتعامل معها حرام.”

إرث الإمام ومصير الطائفة

ما فعله الإمام المغيّب بالطائفة الشيعية كان أقرب إلى المعجزة. فقد ارتقى بها من الحضيض بعد أن نفض عنها غبار الإهمال، وأعاد لها موقعها الريادي في أوائل الطوائف الأساسية في هذا البلد.

ولا نستطيع أن ننكر دور دولة الرئيس نبيه بري في إكمال ما بدأه الصدر على جميع الأصعدة في مسيرة التعافي، إذ أضحى للطائفة كلمتها في توجيه السياسة اللبنانية داخليًا وخارجيًا، ونالت حصتها من الوظائف في القطاع العام، كما بدأت رحلة الإنماء من أوتوسترادات إلى مدارس وجامعات ومستشفيات وشبكات هاتف وغيرها الكثير.

لكن…

القفزة النوعية للطائفة الشيعية، والتي بدأت مع الإمام، ولاحقًا مع الرئيس بري، هل بدأت تتآكل؟!

خاصة في ظل كمية العداء الهائل الموجّه إليها على الصعيدين الداخلي والخارجي، والتضييق عليها عسكريًا واقتصاديًا وماليًا، ومنع إعادة الإعمار… وكل ذلك بهدف كسر الطائفة ومحاولة إعادة عقارب الساعة إلى الوراء.

فهل سينجح هذا المخطط؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *