الديمقراطية بين الشعار والممارسة: المعارضة العراقية قبل ٢٠٠٣ نموذجًا

الديمقراطية بين الشعار والممارسة: المعارضة العراقية قبل ٢٠٠٣ نموذجًا
النص يَنتقد تَجربة المعارضة العراقية التي اعتمدت «غُرفًا مُغلقة» لصنع القرار، محذرًا من انتقال هذه الثقافة إلى السلطة بعد 2003، مما أدّى إلى المحاصصة والمحاباة وإضعاف ثقة الجمهور بالديمقراطية...

في تجارب المعارضة السياسية، لا سيما في البيئات التي يطغى عليها الاستبداد وتضيق فيها مساحات العمل العلني، كثيرًا ما تتولد ممارسات تبتعد عن القيم المعلنة. لكن الخطورة تكمن حين يتحول هذا الابتعاد إلى نهج ثابت ينعكس على الثقافة السياسية ذاتها، كما حصل في مسار المعارضة العراقية خلال العقود السابقة.

لقد كانت المؤتمرات التي جمعت مختلف تيارات المعارضة العراقية ، وانا هنا شاهد عبان، تبدو للوهلة الأولى ساحات للتوافق الوطني والحوار الديمقراطي، لكنها في الواقع كثيرًا ما كانت تُدار في دوائر ضيقة ومغلقة. فالمداولات الكبرى، وصياغة القرارات المصيرية، لم تكن تجري في القاعات العامة ولا عبر آليات واضحة، بل كانت تتم في غرف محدودة النفاذ، يجتمع فيها قلّة من اللاعبين الأساسيين ليطبخوا ما يُراد تمريره على الآخرين.

الأدهى من ذلك أن المعارضة، وهي في موقع من يُفترض أن يكون البديل، كانت لا تكف عن رفع شعار الديمقراطية في بياناتها وأدبياتها. غير أن هذه الشعارات لم تتجسد في الممارسة، بل تحولت إلى مجرد واجهة تزيينية تفتقر إلى أي مضمون حقيقي. وإذا كانت القوى المعارضة لا تؤمن فعلًا بالديمقراطية، فالأجدر بها ألّا تزج بها في بياناتها، وألّا تُثقل خطابها بأمانٍ لا تعكس سلوكها السياسي.

التاريخ ودروس المعارضة العراقية

ولعل التاريخ نفسه يذكّرنا بأن “قرارات الغرف المغلقة” ليست تفصيلاً عابرًا، بل قد تترك أثرًا بالغًا على مسار الأمم. فقرار السقيفة الذي جرى خلف الأبواب المغلقة في بدايات التاريخ الإسلامي، سُجِّل كأخطر حدث سياسي ظلّت الأمة – وما زالت – تدفع ثمن تداعياته عبر القرون. إنه مثال يوضح أن تغييب الشفافية والتوافق الواسع لصالح تفاهمات ضيقة لا يصنع استقرارًا، بل يورث انقسامًا عميقًا يتوارثه الزمن.

وما يزيد خطورة هذه التجربة أن المعارضة العراقية لم تكتف بتكرار أخطاء الماضي، بل رسختها عبر ممارساتها اليومية، حتى باتت الغرف المغلقة هي القاعدة لا الاستثناء. وهذا النمط عزز من هيمنة النخب الصغيرة، وأقصى غالبية القوى السياسية والاجتماعية من المشاركة الفعلية في صناعة القرار.

كما أن هذه السياسات الضيقة فتحت الباب أمام ثقافة الفساد والمحسوبية، حيث تحولت المفاوضات من نقاشات مبدئية إلى مساومات مصلحية. وهكذا تراجع المشروع الوطني الجامع لصالح مصالح آنية محدودة، كان ثمنها إضعاف ثقة المواطن بالخطاب الديمقراطي برمته.

وهكذا، انتقلت أمراض المعارضة العراقية معها إلى السلطة بعد سقوط النظام، فوجدنا أن الغرف المغلقة لم تعد فقط لتسوية الخلافات أو تمرير القرارات، بل تحولت إلى مراكز لإدارة الفساد، والتحاصص، والتلاعب بالمال العام. وهكذا جرى تكريس ثقافة سياسية تقوم على التفاهمات الضيقة بدل الشفافية، وعلى تقاسم المغانم بدل بناء المؤسسات.

إن التجربة العراقية تقدّم مثالًا صارخًا على الفجوة بين الخطاب والممارسة، بين الشعارات التي تُرفع باسم الديمقراطية، والواقع الذي يُدار بمنطق التكتلات والصفقات. والدرس الأهم هنا أن الديمقراطية لا تُبنى بالنصوص ولا بالبيانات، بل بالممارسة اليومية، وبالالتزام الصادق بقيم الشفافية والمحاسبة والاحتكام إلى الإرادة العامة، لا إلى إرادة المجموعات المغلقة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *