المدخلية – أو الجامية – حركة وُلدت في السعودية على يد ربيع المدخلي، وظيفتها واضحة منذ البداية: تكميم الأفواه وتكريس الطاعة العمياء للحاكم. هناك في الرياض كان الهدف سياسيًا بحتًا: إسكات المعترضين، تجريم النقد، وتحويل المجتمع إلى جموع خانعة.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: ما الذي تريده هذه الحركة في العراق؟
هل يعقل أن تيارًا يكفّر حكام بغداد لمجرد انتمائهم المذهبي، يطالب العراقيين بطاعتهم؟! أليس هذا تناقضًا فاضحًا؟ أم أن الطاعة التي يُنظّرون لها ليست للحاكم العراقي أصلًا، بل لأجندات إقليمية تخدم مصالح خارجية؟
الطاعة المغلّفة بالخداع:
المدخلية في العراق لا تأتي بوجه ديني بريء. إنها مشروع سياسي متنكر. خطابها المتكرر: “لا فتنة، لا معارضة، لا احتجاج”، قد يبدو وكأنه دعوة للاستقرار، لكنه في العمق يعني شيئًا آخر: شلّ المجتمع السني وترويضه، بحيث يتحول إلى كتلة صامتة يمكن استخدامها عند الطلب.
والأدهى أن هذه الحركة لا تكتفي بتمرير خطاب الطاعة، بل تزرع الانقسام داخل المجتمع نفسه. كل من يخالفها يُتهم بالبدعة أو الخيانة أو الفتنة. والنتيجة؟ تفتيت الصف السني وإضعافه، ليبقى بلا قوة سياسية ولا موقف موحد، في بلد يعيش أصلًا أزمات متلاحقة.
ليست داعش… لكن الطريق واحد:
قد يقول البعض: المدخلية تختلف عن داعش، فهي لا تذبح ولا تفجر ولا ترفع الرايات السوداء. نعم، هذا صحيح شكليًا. لكن الخطر يكمن في الوظيفة: داعش تقتل المجتمع بسيفها، والمدخلية تقتله بصمته وخضوعه. والاثنان في النهاية يلتقيان عند النتيجة ذاتها: إلغاء المجتمع وإفقاده إرادته.
حين يصبح الناس مجرد قطيع يردد “الطاعة واجبة”، فمن سيقف بوجه الفساد؟ من سيواجه الطائفية؟ من سيمنع التدخلات الأجنبية؟ إنها وصفة مثالية لولادة الفوضى والعنف من جديد، حتى لو لم يكن المدخلي هو من يضغط الزناد مباشرة.
مفارقة الطاعة والتكفير:
المفارقة الصارخة التي لا جواب لها: كيف تطلب المدخلية من العراقيين طاعة حاكم هي تعتبره كافرًا؟!
فإن كانت صادقة في خطابها الديني، فالطاعة هنا باطلة. وإن كانت صادقة في دعواها السياسية، فهي عمليًا تقول: “أطيعوا من نريده نحن، لا من تختارونه أنتم”. أليست هذه وصاية خارجية صريحة؟
تشير التحولات الأخيرة في الساحة السياسية العراقية إلى تصاعد نفوذ بعض التيارات المدخلية في المناطق السنية، مستغلة الفراغ السياسي والانقسامات الداخلية، ما يزيد من هشاشة المجتمع ويضعف قدرة المدنيين على تشكيل مواقف مستقلة.
في الوقت ذاته، تبرز المخاوف من أن تتحول الطاعة المطلقة التي تروج لها المدخلية إلى أداة لإعاقة المشاركة الفعّالة في العملية السياسية، ما يهدد استقرار المؤسسات ويعزز سيطرة أجندات خارجية على القرار المحلي.
الخلاصة:
المدخلية في العراق ليست دينًا ولا دعوة، بل حصان طروادة سياسي. يخفي خلف شعار “الطاعة” مشروعًا يهدف إلى شلّ المجتمع، وإفراغه من حيويته، وتحويله إلى أداة في لعبة أكبر من حدوده.
ويبقى السؤال الموجع مفتوحًا أمام كل عراقي:
إذا كان المدخليون لا يعترفون بشرعية حكام العراق أصلًا، فلمن يريدوننا أن نطيع؟!


