هذا الصباح، وفي جمعةٍ مباركة، رنّ هاتفي. ومن بعده جاء سؤال، وكان الردّ الذي اتخذناه مقالاً لصباحاتنا. سألني أحد الإخوة المرشحين، وقال لي بصراحة: لقد مررتُ بهذه التجربة، فكيف ترى صورتنا بين الناس؟ وكيف تقرأ لوحة نتائج الانتخابات المقبلة؟
ابتسمت وقلت له:
يا أخي العزيز، لستُ بفتّاح فَال، ولا أملك عصًا سحرية لأكشف الغيب، لكن لي من التجربة ما يكفي لأقدّم رؤية واقعية قد تساعدك، وربما أكتب مقالي هذا علنًا ليشاركنا الآخرون الرأي، من دون ذكر أسماء، حتى تكون الفائدة أوسع.
أدركتُ حجم الضغط النفسي الذي يعيشه المرشح، وما يستهلكه من جهد ومال في الصور والإعلانات، وما يواجهه من أعباء التنافس اليومي. لكن الحقيقة التي يجب أن تُقال هي أنّ الشارع لا يُلخّص بما يُقال أو يُشاع. فالكثيرون ممّن طُبِّل لهم في العلن خذلتهم صناديق الاقتراع، بينما برز آخرون لم يكن لهم حضورٌ صاخب.
فالانتخابات ليست لعبة شعارات أو صخب إعلامي؛ إنها ميدان يُظهر ذكاء الناس، إذ صاروا أكثر وعيًا وخبرة في الاختيار.
ما بين الظاهر والمخفي
كثير من المرشحين يجوبون الشوارع يوميًا، يرافقهم جيش من الأصدقاء والأبرياء وأصحاب السمعة الطيبة، لكن ذلك لا يكفي. فالجمهور حين يدخل صندوق الاقتراع لا يصوّت لمجرّد الصور واللافتات، بل يعود بذاكرته إلى السنوات الماضية، ويسأل نفسه:
ماذا قدّم هذا المرشح من خدمة للناس؟
كيف كان سلوكه بينهم؟
كم من الأيادي مدَّها بالعون؟
وهل كان صادقًا في التزاماته؟
الناس يقدّرون الجهد السنوي للمرشح، لا موسميّته الانتخابية فقط. وهم يفرّقون بين المرشح الغني الذي يدفع من فائض ماله، وبين الذي يفتح قلبه ويده للآخرين. كما يفرّقون بين صاحب القلم الذي لا يُسمع له صوت، وبين صاحب الكلمة التي تؤثّر وتُغيّر.
فالبرلمان ليس مجلس صمت أو حضور شكلي؛ بل هو فضاء يتطلب لسانًا فصيحًا، وعقلاً عميقًا، وقلمًا حاضرًا. وهنا تكمن الصعوبة، لأنّ هذه بغداد، لا أربيل، ولكلٍّ خصوصيته ومشتركاته، لكن المعيار في النهاية هو قدرة المرشح على التأثير والعمل.
لعبة معقّدة
الانتخابات ليست سهلة كما يظن البعض؛ إنها لعبة غير واضحة المعالم. فقد يخسر من توقّع الجميع فوزه، ويفوز من لم يتوقع له أحد النجاح. فالمعادلة ليست محصورة بالحاضرين في المهرجانات أو المصفّقين في الشوارع، بل بما يقرره الناخب في لحظة الصمت أمام ورقة الاقتراع.
المشكلة أنّ بعض المرشحين ينظرون إلى الانتخابات وكأنها استفتاء داخل حوض صغير كمنظمة مهنية أو نقابة، حيث يمكن زيارة الناس واحدًا واحدًا والتأثير عليهم بسهولة. لكن الانتخابات العامة تجري في حوض كبير، تتداخل فيه المصالح والعلاقات والانتماءات، ولا يمكن السيطرة عليه بالكامل.
وعي الشباب وخطر الأقلام
ما لا يدركه كثير من المرشحين هو أنّ الشباب اليوم تغيّروا. لم يعد يهمهم الشعارات الكبيرة أو الصور المعلّقة، بل يبحثون عمّن يمدّ لهم يد العون في عملٍ أو فرصةٍ أو دعمٍ ملموس. هم يريدون من يقف معهم في حياتهم اليومية، لا من يكتفي بالوعود أو الكلمات.
كذلك، هناك خطر الأقلام الحرة والإعلاميين الذين يكشفون الحقائق، ويعرّون التناقضات. فالكلمة اليوم أقوى من المال، وأسرع من الدعاية الورقية. لذلك، يخسر المرشح الذي يغفل عن قوّة الرأي العام وتوجيهه.
بين الفوز والخسارة
المرشح الذي يملك الأصالة والجذور، ويجمع بين السخاء والقلم، ويحظى بمحبة الناس، قد يخرج من المعركة بأمان. لكن حتى مع ذلك، تبقى النتيجة غير مضمونة، لأنّ صندوق الاقتراع مليء بالمفاجآت.
الفوز الكبير قد يتحوّل إلى خسارة قاسية، والخسارة المتوقّعة قد تنقلب إلى انتصار ساحق. لذلك تبقى الانتخابات مساحة يصعب التحكم بها، مهما وُضع من خطط، لأنها مرتبطة بإرادة الناس، وهي الإرادة التي لا تُشترى ولا تُباع.
كلمة أخيرة
أيها المرشح العزيز، اعلم أنّ الانتخابات ليست سباق صور ولا معركة شعارات. هي اختبار للذاكرة الجماعية للناس، وتقييمٌ عملي لسنوات عملك بينهم. فلا تخدعك المظاهر ولا الوعود، فالجمهور أذكى مما تظن، والوعي الشعبي اليوم أكثر عمقًا من أي وقت مضى.
الانتخابات حوارٌ بين الماضي والحاضر، بين ما فعلتَه وما تنوي فعله، بين صورتك المعلّقة على الجدران وصورتك الحقيقية في قلوب الناس.


