المستخلص:
ان العراق بلد متعدد الأعراق والطوائف (العرب، الأكراد، التركمان، الكلدان والآشوريون)، إلى جانب تنوع طائفي (سنة، شيعة، مسيحيون، صابئة، ايزيديون)، اذ ان التوترات الطائفية والعِرقية لم تكن دائمًا عنيفة، لكنها تفاقمت بسبب السياسات القمعية (مثل نظام صدام حسين) وتدخلات خارجية بعد 2003. ان العنف الطائفي والعِرقي في العراق ليس ناتجا عن كراهية طبيعية بين المكونات، بل عن سياسات خاطئة وتدخلات خارجية وفشل في بناء دولة عادلة، اذ ان معالجة هذه الجذور يتطلب إصلاحا شاملا سياسيا وأمنيا واقتصاديا واجتماعيا
المقدمــة:
منذ الاحتلال الأمريكي للعراق، يعاني العراق من ظواهر عديدة تعكس تدهور الوضع الأمني وعدم استقراره بشكل غير مسبوق، بدأت هذه الظواهر في البداية بانتشار أعمال النهب وانتشار أنشطة عصابات الجريمة المنظمة، كالاغتيالات والخطف وحرق المباني الحكومية، ثم تصاعدت لتشمل ظواهر أخرى تحمل أوصافا ومسميات مختلفة، (العمليات الإرهابية، والعمليات الجهادية، والأنشطة التكفيرية، ومكافحة التمرد، وأنشطة المقاومة الوطنية، والتهجير العرقي، والتطهير الطائفي، وأعمال العنف الطائفي، وغيرها)، وفي عام 2006، تصاعد العنف في العراق، وخاصة العنف الطائفي، متخذا أشكالا تنظيمية جديدة، إذ تقوم ميليشيات مسلحة تابعة لطائفة معينة بأعمال تخريبية بعيدة كل البعد عن الدين الإسلامي وقيم المجتمع العراقي.
أولاً: العنف الطائفي والعراقي وأسباب نشوئه:
يقصد بالعنف العرقي هو صراع عنيف ينشأ بين مجموعات عرقية مختلفة بسبب تنافسها على مكانتها في المجتمع، بينما العنف الطائفي هو عنف قائم على الاختلافات الدينية أو الأيديولوجية بين الطوائف المختلفة، وينبع من التمييز والتعصب والكراهية المتبادلة، وغالباً ما يهدف إلى استهداف الجماعات الأخرى والانتقام منه.
العنف لا يقتصر على تدمير الممتلكات المادية؛ بل يمزّق رأس المال البشري، وهو أثمن أصول أي أمة، النزوح الداخلي، الذي يفرضه العنف، يؤدي إلى فقدان العمال المهرة، والمهندسين، والأطباء من مناطقهم الأصلية، هؤلاء الأفراد، الذين يمثلون العمود الفقري للاقتصاد، إما أن يجدوا أنفسهم في مخيمات أو ينتقلون إلى مدن أخرى حيث لا يتم استغلال مهاراتهم بشكل كامل؛ هذا النزوح القسري يؤدي إلى تجميد الإنتاجية وتشويه سوق العمل، مما يترك فجوات كبيرة في القطاعات الحيوية مثل الزراعة و الصناعة والتجارة وغيرها.
لقد عانى العراقيون في تسعينيات القرن الماضي وبداية الألفية الثانية من الحصار الاقتصادي الذي فُرِضَ عليه نتيجة دخول القوات العراقية الكويت ومن سياسات النظام السابق من تضييق على الحريات وحالات القمع التي تعرض لها الشعب العراقي بشكل عام ثم جاء بعد ذلك الغزو الأميركي على العراق ليزيد الحالة سوءاً مما نتج عنه ظهور ظاهرة العنف واستخدام القوة ضد المدنيين العراقيين الذي طالتهم حالات الاعتداء من القوات المحتلة في المدن العراقية، وظهور الجماعات الدينية المتطرفة، ويمكن اجمال أهم الآثار التي نتجت عنها هذه العمليات:
- التقلب الاجتماعي وعدم الاستقرار زاد من حدة تفشي حالة الفقر لطبقات كانت حالتها الاقتصادية عالية وظهور طبقة غنية بصورة مفاجئة بسبب السلب والنهب، فضلا عن تزايد حالة البطالة نتيجة لسياسة الحكومة في تسريح الجيش والقوى الأمنية حتى بلغت حالة البطالة أواخر سنة 2006 نسبتها 70% ؛ لذا كان من أهمِّ نتائج العنف المستمر وفقدان الأمن عدم تمكن رجال الأعمال من ممارسة أعمالهم ونشاطاتهم.
- تزايد حالات الهجرة سواء كانت الداخلية منها أو الخارجية، وان أن أكثر من مليوني عراقي أي ما يقارب من 10% تركوا العراق منذ سنة 2003 وان أكثر من مائة ألف عراقي شهريا يغادرون الى سوريا والأردن ومن بينهم من ذوي الخبرات والمؤهلات وأصحاب الفكر والعقول مما أسهم في شل الأنشطة الاقتصادية وأثر على مجال التعليم والصحة.
يرجع سبب نشوء العنف العرقي والطائفي في العراق هو نتيجة تراكمات تاريخية وسياسية واجتماعية، تفجّرت بسبب ظروف محلية ودولية ومن اهم هذه الأسباب هي:
- الإرث التاريخي والانقسامات المجتمعية: ان الدولة العراقية الحديثة تشكلت بعد اتفاقية سايكس بيكو وتقسيمات استعمارية بريطانية لم تأخذ بعين الاعتبار التوزيع العرقي والطائفي، وتم دمج كل من الأكراد والشيعة والسنة وطوائف أخرى في دولة واحدة دون إطار وطني موحد، لا انه تم فرض القمع الطائفي والعرقي خلال القرن العشرين، بعد حكومات متعاقبة (خاصة قبل عام 2003) تم ممارسه تمييزا وقمعا واضحا ضد أبناء الشعب العراقي.
- سقوط الدولة بعد عام 2003: تم تفكيك مؤسسات الدولة بعد الاحتلال الأمريكي وحل الجيش والشرطة وأجهزة الدولة، مما ترك فراغا أمني كبير في نظام العراق، وهذ الامر فُتح المجال أمام الميليشيات والتنظيمات الإرهابية للتحرك بحرية، كما تم استبدال الدكتاتورية بنظام تقاسم سلطة طائفي (شيعة – سنة – أكراد)، وهذا النظام عمّق الولاءات الطائفية بدلا من بناء دولة وطنية.
- التدخلات الإقليمية والدولية: دعمت بعض الدول الفصائل والميليشيات، وسعت إلى توسيع نفوذها في العراق بعد عام 2003، ونتيجة ذلك تحول العراق إلى ساحة صراع إقليمي.
- ظهور الجماعات الإرهابية: تم استغلال الشعور بالتهميش بعد 2003، وقد خلق دوامة انتقام طائفي متبادل، خصوصا في مناطق مثل ديالى، بغداد، صلاح الدين، وكثير من الأحزاب العراقية تستثمر في الطائفية لكسب الدعم الشعبي، كم ان الإعلام المرتبط بهذه الأحزاب يغذي التحريض والكراهية.
- غياب العدالة والمساءلة: ان مرتكبو الجرائم الطائفية لم يُحاسَبوا في كثير من الحالات وهذا الامر أدى إلى فقدان الثقة بالقانون، واعتماد الناس على ميليشيات أو العشائر لحماية أنفسهم.
- الضعف الاقتصادي والتهميش: ان الفقر والبطالة وغياب الخدمات تجعل منه بيئة خصبة للتجنيد الطائفي، مما يدفع السكان نحو التمرد أو التطرف.
ثانيا: الآثار الاقتصادية للعنف العِراقي والطائفي:
العنف العرقي والطائفي في العراق، لم يقتصر على الأثر الأمني والاجتماعي فحسب، بل خلّف أضرارا اقتصادية كبيرة على الدولة والمجتمع، وقيّد فرص التنمية والاستثمار لعقود ومن اهم هذه الاثار هي:
- 1. تراجع الاستثمار: ان انعدام الأمن أدى إلى عزوف المستثمرين الأجانب والمحليين عم الاستثمار في العراق، كما ان الفساد المالي والإداري والسياسي المرتبط بالمحاصصة أدى إلى هدر كبير في الموارد.
- استنزاف الموارد: ان العمل على تمويل الحرب ضد الجماعات المسلحة استنزف خزينة الدولة، فضلا عن تدمير البنية التحتية (طرق، جسور، مدارس، مستشفيات)، خاصة في المناطق التي شهدت حربا ضد داعش.
- ارتفاع البطالة والفقر: ان غياب الخطط التنموية وتوقف المشاريع يزيد من حالات البطالة مما يجعل الشباب يتجهون إلى الانضمام للميليشيات أو الهجرة.
4.ضعف التنمية الإقليمية وعدم العدالة في توزيع الثروات: بعض المحافظات مثل (البصرة) تنتج الثروة لكنها تعاني من التهميش، أي ان تفاقم الفجوة الاقتصادية بين المناطق، والشعور بالتهميش يؤدي لمزيد من التوتر.
5.استنزاف الموارد بسبب الإنفاق العسكري والأمني: ان الإنفاق على الجيش والشرطة والحشد الشعبي يشكل نسبة كبيرة من الموازنة من خلال دعم العمليات العسكرية ضد الإرهاب الذي يُموَّل على حساب القطاعات الخدمية.
6.هروب رؤوس الأموال: رجال أعمال ومؤسسات مالية هربت أموالها إلى الخارج خشية من فقدانها، بسبب فقدان الثقة بالنظام المصرفي، وهذا يؤدي الى ضعف النشاط الاقتصادي وانخفاض السيولة في السوق المحلي.
ثالثا: الآثار الاجتماعية والسياسية:
- انقسم المجتمع من خلال تعميق الهويات الفرعية على حساب الهوية الوطنية وضعف الثقة بين المكونات العقائدية.
- فقدان الثقة بالدولة والاعتماد على العشيرة أو الطائفة بدلا من مؤسسات الدولة.
- النزوح السكاني القسري: أدى العنف إلى تهجير ملايين العراقيين من منازلهم، إما داخلياً أو خارجياً، على أساس هويتهم، وهذا النزوح لا يمثل خسارة اقتصادية فحسب، بل هو نزيف اجتماعي هائل.
- شلل النظام السياسي: أدت الانقسامات العرقية والطائفية إلى ظهور نظام المحاصصة، وهو نظام غير رسمي لتقاسم المناصب الحكومية والسلطة على أساس الانتماء الطائفي والعرقي، هذا النظام جعل الولاء للطائفة أو الحزب أهم من الكفاءة والمصلحة الوطنية، مما أدى إلى فشل مؤسسات الدولة في تقديم الخدمات الأساسية.
- هدم الشرعية الوطنية: في ظل المحاصصة، تصبح الحكومة ليست ممثلة للشعب بأكمله، بل تحالف من فصائل متنافسة، وهذا الامر يقلل من شرعية الدولة في نظر المواطنين، ويؤدي إلى انعدام الثقة في العملية السياسية.
رابعًا: الحلول المقترحة:
تتطلب معالجة العنف العراقي والطائفي وآثاره الاقتصادية في العراق حلولا شاملة وعميقة يجب أن تركز هذه الحلول على إعادة بناء الثقة، وتعزيز سيادة القانون، وتوفير فرص اقتصادية عادلة لجميع المكونات.
- إلغاء نظام المحاصصة: يجب استبدال نظام المحاصصة الذي يوزع المناصب على أساس الانتماء الطائفي بنظام يعتمد على الكفاءة والجدارة.
- بناء دولة مدنية قوية تقوم على المواطنة لا الطائفة.
- تعزيز سيادة القانون.
- إصلاح نظام المحاصصة السياسي الطائفي.
- نزع سلاح الميليشيات وبناء جيش موحد.
- إطلاق مشاريع تنمية شاملة في كل المحافظات.
- مكافحة الفساد: لا يمكن تحقيق التنمية الاقتصادية في ظل الفساد المستشري.
- حوار وطني حقيقي يشمل كل المكونات ويعيد الثقة.
- محاربة الفساد وتفعيل القضاء المستقل.
- التعليم والتوعية: يجب على المناهج الدراسية ووسائل الإعلام أن تعمل على تعزيز الهوية الوطنية المشتركة وقيم التسامح والتنوع.
- دعم مؤسسات المجتمع المدني: تلعب منظمات المجتمع المدني دورا حيويا في تعزيز الحوار بين الطوائف والأعراق المختلفة.


