في التاسع من أيلول/ سبتمبر 2025، اهتزّت العاصمة القطرية الدوحة تحت وطأة عدوان إسرائيلي غاشم استهدف وفداً من قيادات حركة حماس أثناء مشاركتهم في محادثات لوقف إطلاق النار في غزة. لم يكن مجرد هجوم عسكري عابر، بل كان انتهاكاً صارخاً لقدسية الدور الوسيط، أي الفضاء الذي يُفترض أن يكون محمياً بحكم الأعراف والقوانين الدولية، لتُرسل إسرائيل رسالة صادمة: حتى الوساطة لا حصانة لها.
عندما تُستهدف الوساطة
أثار هذا العدوان موجة غضب عارمة في الأوساط العربية والدولية. فقد جاء هذا الهجوم في وقت كانت فيه قطر تقوم بدور الوسيط بين الأطراف المتحاربة، ساعية إلى التوصل إلى اتفاق يضع حداً لحرب الإبادة الجارية في قطاع غزة. ومع وقوع العدوان، ارتفعت أصوات الاستنكار والتساؤل: كيف يمكن لدولة تدّعي الانخراط في نظام دولي أن تقصف بلداً يستضيف مفاوضات سلام، وهي وظيفة يُفترض أن تحظى بالحصانة والاحترام وفقاً للأعراف والقوانين الدولية؟
رأت كثير من التحليلات أن ما جرى في الدوحة يُعدّ سابقة في تاريخ العلاقات الدولية الحديثة. فلم يحدث من قبل أن تتعرض عاصمة لدولة وسيطة لعدوان مباشر بهذا الشكل. فالدول الوسيطة كانت دوماً واحات أمان في صحراء الصراعات، تحظى بحصانة ضمنية كمكان للتفاوض بعيداً من وقع المدافع. بضربها لهذا الفضاء الآمن، لم تدمر إسرائيل جولة مفاوضات فحسب، بل هدمت فكرة الوساطة نفسها. لقد أرسلت رسالة مروعة: لا حرمة لأحد، ولا قداسة لأي مكان في العالم العربي.
وسط هذه الصدمة، يتذكّر العالم جريمة أقدم: اغتيال الوسيط الدولي فولك برنادوت في 1948. العقلية نفسها، الازدراء للوساطة الدولية نفسه، وإن اختلفت الأدوات. من رصاصات الغدر في شوارع القدس إلى صواريخ الدمار في سماء الدوحة، يستمرّ الخيط الأسود ذاته: إرادة التدمير التي لا تفرّق بين وسيط ومحارب، بين مائدة حوار وساحة قتال.
ما حدث في الدوحة ليس مجرد عدوان عسكري، بل هو انتهاك صارخ للقوانين الدولية. إنه ضربة لكل من يحلم بوقف إطلاق النار.
وسطاء في مرمى النار: العودة إلى 1948
إذا كان قصف الدوحة في 2025 قد صدم العالم، فإنّ جذوره تعود إلى عقود مضت. ففي السابع عشر من أيلول/سبتمبر 1948، اغتيل الكونت السويدي فولك برنادوت، وسيط الأمم المتحدة في فلسطين، بينما كان في طريقه بسيارته في القدس الغربية. أُطلق عليه الرصاص رفقة العقيد الفرنسي أندريه بيير سيرو من قبل منظمة «ليحي» الصهيونية المتطرفة. كان برنادوت قد كلّفته الأمم المتحدة بمهمة وقف الحرب الأولى بين العرب واليهود.
يكشف الكاتب السويدي يوران بورين، في كتابه «جريمة اغتيال الوسيط الدولي في فلسطين: الكونت فولك برنادوت»، تفاصيل دقيقة عن ملابسات الجريمة. في البدايات خلص برنادوت إلى أن «بيان التقسيم لم يكن موفقاً (…) والبيان لم يكن قراراً بالتقسيم، بل توصية؛ وبالتالي لا يصلح كأساس لاقتراح خطة سلام .لذلك يجب أن يُعدّل». قدّم مقترحات إلى الطرفين، «سُمّي هذه المرة خطة السلام الأولى، في المقدمة، ثم التأكيد على أن هذا مجرد اقتراح يشكّل أساساً لمزيد من المفاوضات وليس مواقف نهائية على الإطلاق. وبحسب الخطة، ستندمج دولتان، واحدة يهودية وأخرى عربية في اتحاد سيكون الغرض منه اقتصادياً في المقام الأول.
رأى الوسيط أن خريطة حدود الدولتين بحاجة إلى إعادة رسم. وهكذا، اقترح أن تذهب صحراء النقب إلى الدولة العربية، بينما يجب أن يكون الجليل الغربي جزءاً من الدولة اليهودية. ثم أتى الاقتراح الأكثر إثارة للجدل، إن لم يكن القاتل: «ستكون مدينة القدس جزءاً من الأراضي العربية مع حكم ذاتي للسكان اليهود». تلقى برنادوت انتقادات لاذعة، حيث رفض كلا الجانبين الاقتراح رفضاً قاطعاً.
تحريض فاغتيال
لم يكن اغتيال برنادوت حدثاً معزولاً. فقبل العملية، شنّت الصحافة الصهيونية حملة تشويه ضده، ورفعت سيارات في القدس لافتات تُعلن رفض وساطته: «ستوكهولم لكم، القدس لنا»، و«جهودكم سدى. نحن هنا. مقاتلون إسرائيليون من أجل الحرية».
في 16 سبتمبر/ أيلول، وقّع فولك برنادوت على التقرير الذي قُدم إلى مجلس الأمن، والذي أصبح يعرف باسم خطة السلام الثانية. فبحسب الخطة الجديدة «ستوضع المدينة (القدس) تحت سيطرة الأمم المتحدة، سيصار إلى ضم صحراء النقب إلى الجانب العربي، بينما ستعطى إسرائيل بدلاً من ذلك الجليل الغربي». افترضت خطة السلام أنه سيتم السماح للاجئيين الفلسطينيين بالعودة إلى ديارهم.
في 17 أيلول/سبتمبر 1948، تعرّض موكبه لهجوم من منظمة «ليحي» (شتيرن) في القدس الغربية. أُطلق عليه الرصاص داخل سيارته، فاغتيل مع العقيد الفرنسي أندريه بيير سيرو. رغم وضوح هوية المنفذين، لم تُقدّم أي جهة إلى العدالة. بل إن أحد قادة المنظمة – إسحاق شامير – أصبح لاحقاً رئيساً لوزراء إسرائيل.
وباغتياله، تم إرسال رسالة للعالم بأن أي مسار تفاوضي لا يتماشى مع الأجندة الإسرائيلية سيكون مرفوضاً بالقوة.
إذا كان اغتيال برنادوت عام 1948 قد كشف مبكراً عن استعداد القوى الصهيونية لتجاوز كل الخطوط الحمراء في سبيل تثبيت مشروعها السياسي، فإنّ قصف الدوحة عام 2025 جاء ليؤكد استمرارية هذا النمط من السلوك، وإن كان في صورة مختلفة وأكثر تعقيداً. ففي الحالة الأولى، جرى استهداف الوسيط نفسه، بينما في الحالة الثانية جرى قصف مقرّ الوساطة ووفد المفاوضين، داخل دولة ذات سيادة، بما يعكس تطوراً نوعياً في حجم الجرأة والمخاطرة الديبلوماسية.
إنّ مقارنة الحدثين – اغتيال برنادوت وقصف الدوحة – تكشف عن خيط تاريخي مشترك، وهو أن إسرائيل لم تتوقّف عن توظيف العنف من أجل كسر أي مبادرة سلام لا تلبّي مصالحها. ومن ثم، فإنّ استنكار العالم لقصف الدوحة لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره مفاجأة أو حدثاً استثنائياً، بل كحلقة جديدة في سلسلة طويلة من استهداف الوسطاء وتخريب فضاءات التفاوض.


