الدواعش من الهول إلى الجدعة بين أوهام التأهيل ومخاطر التفجير المؤجل

الدواعش من الهول إلى الجدعة بين أوهام التأهيل ومخاطر التفجير المؤجل
عودة عوائل داعش من مخيم الهول إلى العراق تثير مخاطر أمنية جسيمة، إذ أن دمجهم بلا برامج تأهيل طويلة ورقابة صارمة قد يعيد إنتاج خلايا متطرفة ويزرع جيلاً جديداً من العنف في المجتمع....

تصل تباعاً قوافل العائدين من مخيم الهول في سوريا إلى مخيم الجدعة قرب الموصل، تحت شعار “التأهيل وإعادة الدمج في المجتمع العراقي”.

لكن خلف هذا العنوان الإنساني البراق، تختبئ أسئلة مقلقة لا بد أن تُطرح بصراحة: هل يمكن حقاً إصلاح هذه العقول التي غسلتها داعش لسنوات؟ وهل من الحكمة إطلاقها في مدن العراق وقراه وكأن شيئاً لم يكن؟

عقول غُسلت بالدم:

داعش لم يكن تنظيماً عسكرياً فقط؛ كان مشروعاً فكرياً متكاملاً غرس في أتباعه أن القتل عبادة، والتكفير فضيلة، والذبح طريق إلى الجنّة.

الذين نشأوا في هذه البيئة لا يكفي معهم درس ديني أو دورة سريعة لتغيير قناعاتهم.

إعادة التأهيل، إن أُريد لها أن تنجح، تحتاج إلى برامج طويلة الأمد، يشترك فيها أطباء نفسيون، تربويون، وعلماء دين مستقلون، مع رقابة صارمة تمتد لسنوات. وهذا ما لا يملكه العراق اليوم في ظل أزماته وضعف مؤسساته.

مخاطر آنية ومستقبلية:

الآن، لا بعد سنوات، يشكل إطلاق هذه الفئات خطراً مباشراً:

احتمال إعادة بناء خلايا نائمة.

نشر الفكر المتطرف في الأحياء والقرى.

تعريض المجتمع لعمليات تجنيد سرية بين الشباب واليافعين.

أما المستقبل فيحمل كارثة أكبر:

أطفال الدواعش الذين تشربوا لغة الدم والكراهية، سيكبرون ليشكلوا “جيلاً جديداً من العنف”، إذا لم يُعالجوا مبكراً.

التجربة التاريخية تقول: بقايا التنظيمات تتحول دائماً إلى نواة لموجات أشد قسوة، وما “داعش” إلا مثال حي على ذلك.

بين واجب الدولة وخطورة التساهل:

الحكومة العراقية أمام خيارين أحلاهما مرّ:

إبقاؤهم في المخيمات بلا معالجة، وهو ما يصنع بيئة مكتظة بالنقمة والانتظار.

أو إطلاقهم في المجتمع بلا برامج جادة، وهو ما يفتح الباب لانفجار جديد.

الحل لا يكمن في العفو الساذج، بل في مقاربة عقلانية تقوم على:

  1. الفرز الدقيق بين المتورطين بالقتل ومن لم يتورط.
  2. محاكمات عادلة للمتهمين بجرائم جسيمة.
  3. مراكز تأهيل مغلقة تشتغل على النفس والفكر والسلوك.
  4. رقابة طويلة الأمد بعد الدمج، تمنع الانتكاس وتكشف أي نشاط مشبوه.

من التجارب الدولية في إعادة تأهيل المتطرفين، نعرف أن أي برنامج قصير الأمد أو شكلي لا يجدي نفعًا، بل قد يؤدي إلى انتكاسات سريعة. الخبراء النفسيون والاجتماعيون يؤكدون أن دمج هؤلاء في المجتمع يحتاج إلى متابعة مستمرة، وتدريب طويل، وإشراف صارم على سلوكهم وأفكارهم. أي تجاهل لهذه المعايير يعني ببساطة فتح المجال لعودة التطرف إلى الشوارع والمجتمعات المحلية.

الخاتمة:

التعامل مع ملف عوائل وعناصر داعش ليس شأناً إنسانياً فحسب، بل هو قضية أمن ووجود.

من يتوهم أن بضع محاضرات قادرة على تحويل الذابح إلى مواطن مسالم، يعيش في خيال خطير.

العراق الذي نزف دماء غزيرة بسبب هذا التنظيم، لا يحتمل إعادة التجربة تحت عنوان “إعادة التأهيل”.

إنّ دمج هؤلاء في المجتمع من دون حذر، يعني ببساطة زرع قنابل موقوتة في قلب العراق، تنتظر لحظة الانفجار.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *