الهرولة العقيمة إلى مضارب البيت الأبيض في انتخابات العراق

الهرولة العقيمة إلى مضارب البيت الأبيض في انتخابات العراق
المشروع السياسي القائم على استجداء الدعم الأمريكي لا يمنح شرعية حقيقية، بل يجعل القوى أداة مؤقتة سرعان ما تُرمى. الشرعية المستدامة تُبنى من الشعب عبر إصلاحات وطنية شاملة، لا عبر مباركات السفارات....

مقدمة:

في كل دورة انتخابية، يتكرر مشهد مأساوي في عدد من الدول التي تعاني من هشاشة السيادة: كتل سياسية وشخصيات نافذة تهرول نحو واشنطن، وكأنها تسعى لنيل “مباركة” أمريكية تُسوَّق محليًا كصك شرعية، يمنحها الحق في الحكم ويضفي على وجودها السياسي مسحة من القبول الدولي. لكن هذه المباركات، مهما بدت براقة، لا تصنع شرعية حقيقية، ولا تحل أزمة، ولا تبني وطنًا. إنها شرعية وظيفية مؤقتة، تُمنح بقدر ما تُخدم مصالح الخارج، لا بقدر ما تُخدم مصالح الشعب.

هذه الظاهرة تكشف عن خلل بنيوي في فهم السلطة، حيث تتحول الدولة إلى ساحة نفوذ لا إلى مشروع وطني، وتُستبدل الإرادة الشعبية بإرادة السفارات، ويُستبدل البناء الداخلي بالاستجداء الخارجي.

الولاءات المشبوهة: السلطة كصفقة لا مسؤولية

في سبيل نيل الرضا الأمريكي، تلجأ بعض القوى السياسية إلى وسائل مشبوهة لا تمت بصلة إلى العمل الوطني:

– لقاءات سرية تُعقد بوساطة أطراف إقليمية معروفة بولائها لواشنطن ولندن، تُدار فيها صفقات لا تُعلن، وتُرسم فيها خرائط النفوذ بعيدًا عن أعين الشعب.

– عقود بملايين الدولارات تُبرم مع شركات لوبي أمريكية، هدفها تلميع الصورة وتزييف المواقف، لا بناء الثقة مع المواطن.

– تنازلات تمس جوهر السيادة، من أراضٍ ومياه وثروات، تُباع تحت الطاولة مقابل دعم سياسي و تغطية إعلامية.

هذه الممارسات لا تعكس مشروعًا وطنيًا، بل سعيًا أنانيًا نحو النفوذ، على حساب مصالح الشعوب التي تُترك فريسة للفقر والبطالة والفساد، بينما تُستخدم السلطة كوسيلة للتمكين الشخصي لا للبناء الوطني.

خذلان العملاء:التاريخ الحديث يكشف نمطًا ثابتًا في السياسة الأمريكية نمط أمريكي متكرر

دعم مؤقت، ثم تخلي مدوٍ. من سايغون إلى كابل، ومن سانتياغو إلى كاراكاس، يتكرر المشهد ذاته: احتضان مؤقت، ثم رمي في العراء.

في فيتنام الجنوبية عام 1975، انسحبت القوات الأمريكية تاركة حكام الجنوب لمصيرهم، فقُتل كثيرون وهرب الباقون.

وفي تشيلي عام 1973، ضباط الانقلاب الذين خدموا مصالح واشنطن وجدوا أنفسهم أمام مصيرهم المحتوم بعد أن تحقق المطلوب، فواجه بعضهم القتل، وسُجن آخرون.

وفي أفغانستان، بعد انهيار النظام المدعوم أمريكيًا، تُرك قادة المجاهدين لمواجهة الفوضى، فقتل بعضهم وهرب الآخرون.

وفي إندونيسيا عام 1965، دعمت واشنطن انقلابًا عسكريًا ضد الحكومة اليسارية، ثم تخلّت عن الضباط بعد انتهاء الدور، فواجهوا نهايات قاسية.

أما في فنزويلا، فقد خُذل الدكتاتور ماركوس بيريز خيمينيز بعد أن استُنفدت مصالح أمريكا، واضطر للهروب إلى الخارج.

هذه الأمثلة لا تُظهر فقط خيانة الحلفاء، بل تكشف عن طبيعة العلاقة بين القوى الكبرى وعملائها: علاقة استخدام لا شراكة، علاقة مصلحة لا مبدأ. من يعتمد على الخارج، يصبح أداة مؤقتة، تُستخدم ثم تُرمى.

الشرعية الحقيقية: من الشعب لا من السفارات

الشرعية التي تُمنح من الخارج هي شرعية وظيفية، تُقاس بمدى خدمة الحاكم لمصالح القوى الكبرى، لا بمدى خدمته لشعبه. أما الشرعية الشعبية، فهي الوحيدة القادرة على الصمود أمام الأزمات والانقلابات. حكومة وطنية صادقة، تعمل لمصلحة الناس، وتبني مؤسسات قوية، هي وحدها القادرة على منح السلطة معناها الحقيقي.

السلطة ليست امتيازًا يُمنح من الخارج، بل مسؤولية تُستمد من الداخل. ومن يطلب الشرعية من السفارات، يبيع نفسه قبل أن يحكم شعبه.

“الشرعية الحقيقية تأتي من الشعب، لا من أي مباركة خارجية.”

واقع العراق المتأزم: أزمة بنيوية لا تُحل بالمباركات

حتى لو وصلت أي كتلة إلى السلطة، فإن الأزمات البنيوية مستمرة، بل تتفاقم:

الفقر والبطالة في تصاعد مستمر، وأزمة السكن والخدمات تتعمق مع ضعف التخطيط وغياب الرؤية. الصناعة والزراعة شبه متوقفة، والمواطن العراقي يعيش في ظل أزمة مياه وكهرباء وصحة وتعليم لا تنتهي. أما الفساد، فهو سرطان ينخر في جسد الدولة، ينهش الموارد ويُضعف المؤسسات، ويُفرغ الديمقراطية من معناها.

هذه الأزمات تُراكم الغضب الشعبي، وتُقرب المجتمع من نقطة الانفجار، ما يهدد العملية الديمقراطية برمتها، ويجعل أي حكومة عاجزة عن تلبية تطلعات الناس، مهما كانت مباركة الخارج لها.

خطر العودة إلى الدكتاتورية:

حين تفشل الديمقراطية في تلبية حاجات الناس، تتحول إلى قشرة فارغة، ويصبح الحنين إلى “القبضة الحديدية” خيارًا شعبيًا، لا نخبويًا فقط. وهنا يكمن الخطر الحقيقي: أن يُستغل الفشل الديمقراطي لإعادة إنتاج الاستبداد، لا لتجاوزه.

القوى المتآمرة قد تجد في هذا الواقع ذريعة للانقضاض على العملية السياسية، بدعم خارجي أمريكي أو خليجي أو أوروبي، ما قد يعيد البلاد إلى حكم عسكري دكتاتوري يفرض الأقلية على الأكثرية، ويعيدها عقودًا إلى الوراء.

الحلول الوطنية: مشروع إنقاذ لا تبعية

الخروج من الأزمة لا يكون عبر استرضاء الخارج، بل عبر بناء مشروع وطني صادق، يقوم على:

– إصلاح الاقتصاد وتنويع مصادر الدخل بعيدًا عن الاعتماد الأحادي على النفط.

– إحياء الصناعة والزراعة لتوفير فرص عمل حقيقية، وتحقيق الاكتفاء الذاتي.

– إصلاح الخدمات الأساسية: الكهرباء، المياه، الصحة، التعليم، والإسكان.

– مكافحة الفساد بكل حزم، ومحاسبة الكبار قبل الصغار، وتفكيك شبكات المحاصصة.

– بناء جيش وطني قوي يحمي السيادة، ويبتعد عن الولاءات الحزبية والطائفية.

– حكم الكفاءات لا الولاءات، وإقصاء الفاسدين وغير الأكفاء من مفاصل الدولة.

– تحقيق مصالحة وطنية حقيقية، قائمة على العدالة والاعتراف، لتعزيز الثقة بين الدولة والمواطن.

خاتمة:

الهرولة العقيمة إلى مضارب البيت الأبيض لن تمنح سلطة حقيقية ولا حلولًا مستدامة. التاريخ يثبت أن أمريكا تتخلى عن عملائها بمجرد انتهاء مصالحها، وأن الحكام الذين يعتمدون على مباركات خارجية غالبًا ما ينتهي بهم الأمر إلى مصير سيء. وحده المشروع الوطني الصادق، القائم على خدمة الناس لا استرضاء السفارات، هو ما يصنع شرعية حقيقية ويؤسس لدولة تستحق البقاء.

من يطلب الشرعية من الخارج، يبيع نفسه قبل أن يحكم شعبه. ومن يبني شرعيته على خدمة الناس، يكتب اسمه في التاريخ لا في دفاتر السفارات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *