مقدمة:
يحتل العراق موقعًا جيوسياسيًا فريدًا في قلب الشرق الأوسط، حيث يربط بين الخليج وإيران والمشرق العربي وتركيا، ويملك ثروات نفطية ضخمة وعمقًا ديمغرافيًا متنوعًا. هذه العوامل جعلت من العراق لاعبًا رئيسيًا في أي معادلة إقليمية، وفي الوقت نفسه هدفًا لمشاريع إسرائيلية تسعى لإضعاف دوره واستغلال التوترات الداخلية، خاصة بعد الاحتلال الأميركي عام 2003 وظهور الحشد الشعبي كقوة ردع مؤثرة.
العراق قبل وبعد 2003:
قبل 2003، اقتصر النشاط الإسرائيلي على ضربات محدودة مثل قصف مفاعل تموز النووي عام 1981، بهدف منع العراق من تطوير قدرات نووية وعسكرية. بعد الاحتلال، ازدادت محاولات إسرائيل التأثير على العراق عبر استهداف الحشد الشعبي، دعم مشاريع الانفصال، والتدخل الاستخباري والاعلامي لتقويض الدولة المركزية وإضعاف سيادتها.
الدور الجيوسياسي للعراق وحساسية إسرائيل تجاهه:
العراق ليس مجرد دولة نفطية، بل يمثل عقدة استراتيجية في المنطقة. استقرار العراق يعوق أي مشاريع إسرائيلية للتوسع أو التفتيت في المحيط العربي. لذلك كان دعم إسرائيل لاستفتاء إقليم كردستان 2017 محاولة لاستغلال الانقسامات الداخلية وتقليل النفوذ المركزي العراقي.
أدوات الحرب الإسرائيلية:
شهدت السنوات الأخيرة استخدام إسرائيل أدوات متعددة:
الطائرات المسيرة: استهدفت قواعد ومخازن للحشد الشعبي.
الهجمات السيبرانية: لاستهداف البنى التحتية الحيوية.
الحرب الإعلامية والنفسية: تصوير الحشد كقوة أجنبية، ومحاولة عزله عن بيئته الشعبية.
أمن الطاقة العراقي:
يملك العراق ثاني أكبر احتياطي نفطي في المنطقة، وأي اضطراب في إنتاجه يرفع أسعار النفط عالميًا ويؤثر على أمن الطاقة الأوروبي. لذلك، يمثل استهداف إسرائيل للبنية التحتية العراقية أداة ضغط غير مباشر على القوى الكبرى ووسيلة لتقييد قدرة العراق الاقتصادية.
دروس مستلهمة من لبنان واليمن:
المقاومة اللبنانية أظهرت أن قوة شعبية منظمة يمكنها فرض معادلات ردع استراتيجية، كما حدث في انسحاب إسرائيل من الجنوب عام 2000 وصمودها في حرب 2006، بفضل تكامل العمل العسكري والسياسي والإعلامي.
في اليمن، أظهرت تجربة الحوثيين قدرة قوة محلية على تطوير قدرات ردع منخفضة التكلفة وفعّالة، باستخدام الطائرات المسيّرة والصواريخ الدقيقة، التي استهدفت إسرائيل مباشرة وناقلات النفط في البحر الأحمر والخليج العربي، مؤثرة بذلك على أمن الطاقة الإقليمي ورفع مخاطر اضطراب الأسواق العالمية. هذه التجربة تقدم للعراق دروسًا مهمة في بناء قدرات ردع محلية، وحماية خطوط الإمداد الحيوية، والتكامل بين العمل العسكري والإعلامي.
الجيش والحشد الشعبي ركيزتا الردع:
يمثل الجيش العراقي والحشد الشعبي العمود الفقري للأمن الوطني. دور الحشد في هزيمة داعش أكسبه مكانة ردعية أمام أي اختراق إسرائيلي. تكامل الجيش النظامي مع الحشد الشعبي يعزز قدرة العراق على حماية سيادته ووحدته الوطنية.
وحدة الأراضي العراقية واستقرار المنطقة:
تفكك العراق يفتح الباب لفوضى إقليمية، ويؤثر على استقرار دول الجوار. الحفاظ على وحدة الأراضي العراقية يشكل ضمانة لمواجهة المشاريع الانفصالية الإسرائيلية وضمان توازن القوى في الشرق الأوسط.
تعزيز الوحدة الوطنية:
مواجهة المشاريع الإسرائيلية تتطلب أكثر من القوة العسكرية:
تعزيز الهوية الوطنية الجامعة على حساب الانقسامات الفرعية.
إصلاح النظام السياسي لضمان تمثيل عادل لكل المكونات.
تقوية الإعلام الوطني لمواجهة الحملات النفسية.
تطوير الاقتصاد المحلي لتقليل الاعتماد على الخارج.
خاتمة:
الصراع العراقي الإسرائيلي ليس مجرد مواجهة عسكرية، بل صراع جغرافيا وهوية وسيادة. رغم الضغوط العسكرية والسياسية والاقتصادية، يمتلك العراق عناصر قوة حقيقية: موقع استراتيجي، ثروة نفطية، تجربة عسكرية متجددة، وإرث مقاوم. الحفاظ على الوحدة الوطنية وتماسك الهوية العراقية يضمن مواجهة التهديدات الإسرائيلية ويحول العراق إلى ركيزة استقرار في الشرق الأوسط.


