المقدمة
في مطلع أبريل 2026، شكّلت الجولة التفاوضية التي عُقدت في إسلام آباد محطة جديدة في مسار التوتر بين الولايات المتحدة وإيران. الإعلان عن هدنة قصيرة أعطى انطباعًا أوليًا بإمكانية احتواء التصعيد، إلا أن التطورات اللاحقة كشفت أن هذه الهدنة أقرب إلى إجراء تكتيكي منها إلى خطوة تأسيسية نحو تسوية مستدامة. وبين خطاب التهدئة وممارسات الميدان، برزت فجوة تعكس تعقيدات المشهد الإقليمي وتناقضاته.
العرض:
لماذا فشلت المفاوضات؟
فشلت المفاوضات لأن كل طرف دخلها وهو متمسك بمطالبه القصوى. واشنطن طرحت شروطًا اعتُبرت أقرب إلى الإملاءات، مثل وقف تخصيب اليورانيوم وتفكيك القدرات الصاروخية، بينما طالبت طهران برفع العقوبات وضمان انسحاب القوات الأمريكية من المنطقة. هذا التباين جعل أرضية التفاهم ضعيفة منذ البداية. وزاد الأمر تعقيدًا هو اعتداء إسرائيل على جنوب لبنان خلال فترة الهدنة، في خرق مباشر لروح الاتفاق، بينما حاولت واشنطن التنصل من إدراج لبنان ضمن التفاهمات رغم أنه كان شرطًا أساسيًا لإيران. بذلك، بدا واضحًا أن إيران كانت محقة في إصرارها على حماية لبنان كجزء من منظومة الردع الإقليمي، فيما أظهرت الولايات المتحدة تواطؤًا مع إسرائيل بعدم كبح جماحها أو ضبط سلوكها العدواني.
واشنطن بين خطاب التهدئة ومناورات القوة
من منظور واشنطن، الهدنة جاءت لتخفيف ضغوط متعددة المستويات:
– دوليًا: أسواق الطاقة الهشة فرضت ضرورة خفض التصعيد.
– داخليًا: إدارة ترامب أرادت أن تبدو قادرة على إدارة الأزمات دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة.
لكن عمليًا، الهدنة بدت كأداة لإعادة التموضع العسكري والسياسي أكثر من كونها التزامًا بمسار تفاوضي طويل الأمد.
لبنان في قلب المعادلة
إصرار إيران على إدراج لبنان ضمن أي تفاهم لم يكن مجرد موقف سياسي، بل رؤية استراتيجية لحماية منظومة الردع. في المقابل، تعاملت واشنطن مع هذا الشرط بروح التسويف، فيما استغلت إسرائيل الهدنة لتثبيت وقائع ميدانية عبر الاعتداءات. هذا التناقض بين خطاب التهدئة وممارسات العدوان جعل الثقة في أي تفاهم تتآكل سريعًا.
التلون والغش غير المباشر
الخطاب الأمريكي رفع شعار التهدئة، لكن الممارسات على الأرض سمحت لإسرائيل بفرض وقائع جديدة. هذا التناقض بين القول والفعل يعكس نمطًا مألوفًا من المراوغة السياسية، حيث تُستخدم الهدن كغطاء لإعادة التموضع، بينما تُترك الساحة مفتوحة أمام خروقات تقوض الثقة في أي اتفاق.
الخاتمة:
تكشف هدنة إسلام آباد عن معادلة مألوفة في أزمات الشرق الأوسط: التهدئة المؤقتة لا تعكس تقاربًا في الرؤى، بل تخفي خلفها صراعًا على شروط التسوية نفسها. وبين من يسعى إلى إدارة الأزمة ومن يعمل على إعادة تشكيلها ميدانيًا، تبقى احتمالات الاستقرار مرهونة بقدرة الأطراف على تحويل الهدن من أدوات تكتيكية إلى خطوات موثوقة ضمن مسار سياسي واضح. وحتى يتحقق ذلك، ستظل أي هدنة قصيرة عرضة للاهتزاز، فيما يبقى الصمود والتمسك بالثوابت هو الضمانة الحقيقية لحماية السيادة ومنع تكرار لعبة المراوغة.


