المرأة العراقية في المدونة الشرعية: قراءة نقدية

المرأة العراقية في المدونة الشرعية: قراءة نقدية
تواجه المرأة العراقية تحديات مركبة بين تهميش اجتماعي وقيود قانونية متجددة تكرس سلطة العقل الذكوري. ضعف المجتمع المدني واستغلال الخصوصية الثقافية عززا الركود، بينما تظل العلمانية الحقيقية إطارًا لتحديث القوانين ودعم المساواة وحقوق النساء...

لطالما طالبت المرأة العراقية بحقوقها، واحتجّت على الإجراءات التعسفية التي مورست ضدها، ورفعت صوتها في الساحات والمجالس، ونزلت الميادين غاضبة. لكن يبقى السؤال الجوهري: أي امرأة عراقية نعني عندما نتحدث عن هذا الصوت؟

خلال العقود الماضية، غالباً ما تصدّرت المشهد النسوي العراقي المرأة النقابية أو المؤسساتية أو الناشطة في المنظمات المدنية. إلا أن هؤلاء النسوة، ما إن يظهرن في الساحة حتى تُشنّ ضدهن حملات منظمة عبر وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي، تُكال لهنّ فيها التهم والنعوت الجارحة، سرعان ما تؤدي إلى تلاشي أصواتهنّ، وكأنها مجرد صدى بعيد لا أثر له.

ولا يقف الأمر عند النساء وحدهن؛ فكثير من الرجال الذين وقفوا إلى جانب المرأة العراقية في نضالها، تعرّضوا هم أيضاً للتشكيك في رجولتهم أو للطعن في شرفهم. هكذا، أصبح الدفاع عن حقوق المرأة في العراق فعلاً مكلفاً اجتماعياً وأخلاقياً.

جاءت المدونة الشرعية الجعفرية لتزيد المشهد تعقيداً. إذ لم تُخفِ كثير من النساء العراقيات استياءهن وانزعاجهن من بنودها، بل خرج بعضهن إلى الشارع معلنات رفضهن أمام كاميرات الإعلام. غير أن هذه الاعتراضات بقيت في الغالب خجولة، وأصواتهن تتراجع يوماً بعد يوم.

مأزق الخصوصية الثقافية

يتذرع كثير من المدافعين عن هذه المدونات القانونية بضرورة احترام الخصوصية الثقافية العراقية، فيبالغون في نقد النمط الغربي ومقولاته الفلسفية التي تجعل الإنسان محوراً لكل شيء. لكن المفارقة أنهم لا يبذلون جهداً موازياً في نقد الموروث الثقافي المحلي، بما فيه من أنماط متخلفة وتمييزية. وكأن ثقافتنا مثالية فوق النقد، بينما ثقافة الآخر وحدها الموصومة بالعار!

تتضح المشكلة أكثر في ساحة النشر والترجمة؛ حيث نرى عشرات الكتب التي تهاجم الرأسمالية، لكنها نادراً ما تعرض مزاياها أو جدلياتها الداخلية. الدول التي تقدمت علينا لم تتفوق علمياً وتكنولوجياً فقط، بل تقدمت أخلاقياً وقيمياً أيضاً. بل إن الرأسمالية نفسها ليست تياراً أحادياً، بل فضاء تتصارع فيه اتجاهات نقدية متعددة. لكن بدلاً من أن نصنع تياراً نقدياً عراقياً أو عربياً يراجع التراث ويفكك المسكوت عنه ويقدّم أطروحات جديدة للحاضر والمستقبل، نجد أنفسنا غارقين في الاجترار والتقوقع والموت الفكري.

فلسفة الخوف وثقافة الركود

لقد كرّس التركيز على “الخصوصية” ما يمكن تسميته بـ فلسفة الخوف، تلك التي حكمت تاريخنا الماضي وأثقلت حاضرنا. فأنتجت ثقافة استاتيكية راكدة، لا تتطلع إلى المستقبل بل تنجذب آلياً إلى الماضي. وفي ظل هذا الركود، يصبح الدفاع عن التجديد والانفتاح أقرب إلى تهديد لثوابت الجماعة من كونه فرصة للنهوض.

ومن هذا المنظور أيضاً، تبنّى بعض المثقفين العرب أطروحة “العلمانية الجزئية” لعبد الوهاب المسيري، باعتبارها ملاذاً من “العلمانية الشاملة” التي دافع عنها مفكرون كالعروي وصادق جلال العظم وهشام شرابي. غير أن هذا التوظيف النظري عزّز في النهاية ثقافة مغلقة لا تقوى على التفاعل مع العالم، وكأننا نعيش خارج عصر العولمة الذي حوّل العالم إلى قرية صغيرة.

المدونة الشرعية وهيمنة العقل الفحولي

بالعودة إلى المدونة الجعفرية، نجد أن خطورتها لا تكمن فقط في نصوصها، بل في ما تكرّسه من سلطة للفقيه على حساب القاضي المدني في قضايا الأحوال الشخصية. فالغاية هنا ليست حماية الشريعة بقدر ما هي إعادة إنتاج عقل فحولي مهيمن يرفض أن تكون المرأة نداً مساوياً للرجل في الحقوق والواجبات.

الأدهى أن اعتراضات كثير من النساء كشفت تناقض بعض نصوص المدونة مع آيات قرآنية صريحة، ما يعني أن النصوص “الساكتة” جرى تأويلها وتأطيرها بطابع ذكوري، ثم حُوّلت إلى أحكام جامدة يصعب مراجعتها، لأنها تحاكي ثقافة متحيزة متوارثة.

مأزق النساء العراقيات

في ظل هذه البنية، تتراجع أصوات ناشطات المنظمات بسبب الوصم الاجتماعي، كما يتراجع الرجال المتضامنون مع النساء بسبب الطعن في شرفهم أو رجولتهم. ويبقى السواد الأعظم من النساء العراقيات بلا صوت منظم، بل مجرد شذرات متفرقة في الفضاء العام. بعضهن تُقعدهن ثقافتهن المحدودة، وبعضهن يمنعهن تدينهن من التعبير الجريء لأن “صوت المرأة عورة”. وإلى جانب ذلك، نفتقد بشكل شبه كلي إلى مجتمع مدني فعّال قادر على حمل هذه القضايا بجدية.

نحو أفق إنساني جديد

العلمانية الحقيقية لا تعني إلغاء تدين الفرد، مادام في حدوده الإنسانية والروحية. إنما تعني فقط فصل التخلف عن مجال التشريع، عبر قوانين بشرية قابلة للتعديل والحذف كلما اقتضت الحاجة. يظل النص المقدس محترماً في مجاله الروحي والأخلاقي، لكنه لا ينبغي أن يُستعمل أداة لتقييد تطور الإنسان وتطلعه للحرية.

إن النصوص صالحة لكل زمان ومكان بقدر ما يظل العقل البشري ناضجاً وشجاعاً في قراءتها. فإذا خنقنا العقل وأماتنا الخوف، مات النص نفسه بموت الثقافة التي تحمله.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *