انقلاب ١٧ تموز ١٩٦٨: البعث يعود إلى السلطة
حين انتميتُ إلى حزب الدعوة عام ١٩٦٦، كان المشهد السياسي في العراق مضطربًا لكنه ما يزال مفتوحًا على احتمالات شتى. غير أنّ فجر السابع عشر من تموز عام ١٩٦٨ غيّر ملامح هذا المشهد إلى عقود طويلة قادمة، حين عاد حزب البعث إلى السلطة بعد أن فقدها في انقلاب ١٩٦٣. لم يكن كثيرون يدركون آنذاك أن هذه العودة ستدخل العراق في أعمق عهود الاستبداد وأكثرها تدميرًا.
أخطاء التقدير لدى الأحزاب العراقية
ما زلت أذكر كيف تعاملت الأحزاب الرئيسية مع عودة البعث:
- حزب الدعوة، الذي كنت جزءًا من شبابه، تمسك بقوالبه التقليدية في التحليل السياسي. رأى في حزب البعث “حزبًا شبه مبدئي”، يفتقر إلى الرؤية الفكرية العميقة، وبالتالي لا يملك ما يؤهله لتغيير المجتمع.
- الحزب الشيوعي تبنّى قالبًا آخر، اعتبر بموجبه حزب البعث حزبًا من “البرجوازية الصغيرة” يمكن أن يتخذ منحًى تقدميًا، وربما يفتح الطريق أمام تعاون مرحلي.
- أما الأحزاب القومية العروبية فقد وجدت فيه شريكًا قريبًا منها أكثر مما هو منافس لها، لما يجمعها به من شعارات الوحدة والحرية والاشتراكية.
هكذا، وبسبب هذه الحسابات القاصرة، لم تتخذ القوى السياسية العراقية مواقف جذرية أو حازمة تحول دون استيلاء البعث على السلطة مرة أخرى. كان كل طرف يقرأ المشهد من داخل “قالب” تحليلي ضيق، فلم يرَ الخطر الكامن في بنية الحزب ولا في طبيعته العقائدية والتنظيمية.
عبادة الفرد وبذور الاستبداد المطلق
ومع مرور السنوات، أخذ البعث يرسّخ قبضته أكثر فأكثر، حتى بلغ عام ١٩٧٩ لحظة السقوط في هوّة عبادة الفرد. إذ تحوّل صدام حسين إلى “القائد الضرورة”، وصارت صورته وأقواله هي المرجع الأوحد، في مشهد يذكّر بتجارب الاستبداد الكلي في القرن العشرين: هتلر في ألمانيا، ستالين في الاتحاد السوفيتي، وكيم إيل سونغ في كوريا الشمالية.
خلاصة التجربة
من موقع الشاب الحزبي آنذاك، أدركت لاحقًا أن المشكلة لم تكن في انقلاب ١٩٦٨ وحده، بل في عجز النخب العراقية عن قراءة الخطر في وقته. أخطأت الأحزاب جميعها، كل من زاويته الخاصة، فلم تُجمع على موقف وطني يحول دون قيام عهد جديد من الاستبداد. وكان ثمن ذلك أربعة عقود من القمع والحروب والدمار، دفعتها الأجيال اللاحقة كاملة.


