هل الشرع هاشمي حقاً؟

هل الشرع هاشمي حقاً؟
تُستخدم الأنساب في المشرق كأداة سياسية لترسيخ الشرعية، حيث تُدّعى صلات بالنبي محمد (ص) لتعزيز المكانة، رغم أن الأبحاث التاريخية تثبت غالبًا خلاف ذلك. تبقى الحقائق الأنسابية أقوى من الروايات السياسية المؤقتة....

في مقابلة نادرة أثارت الكثير من الفضول والجدل، خرج والد الرئيس السوري أحمد الشرع ليؤكد أن عائلته تنحدر من الأشراف الهاشميين، وأن نسبها يصل مباشرة إلى النبي محمد (ص). لم يكن هذا التصريح مجرد ملاحظة عابرة في حديث عائلي، بل إعلان يحمل دلالات سياسية عميقة. ففي المشرق، تتحول الأنساب من مجرد روايات عائلية إلى أدوات شرعية تُستخدم لترسيخ السلطة أو تعزيز المكانة.

نسب الشرع الحقيقي

غير أن البحث في جذور عائلة الشرع يقود إلى نتيجة مختلفة. فالعائلة ليست من بني هاشم، بل من بطون قريش، وتحديدًا من نسل الصحابي عبد الرحمن بن عوف. وهو نسب له شأن عند العرب، لكنه لا يجعل الأسرة هاشمية بالمعنى الدقيق، بل أقرب في مكانتها إلى الأمويين والعباسيين الذين تشاركوا القرابة القرشية مع بني هاشم دون أن يكونوا منهم.

ويمكن تتبع تاريخ هذه العائلة كسيرة هجرة متواصلة. فمع بدايات الفتوحات الإسلامية في القرن الثامن الميلادي، انتقل أجداد الشرع إلى شمال الأردن، إلى التلال المطلة على وادي اليرموك. وبعد قرون، رحلوا إلى أذرعات (درعا) قبل أن يعودوا مجددًا إلى وادي اليرموك بحثًا عن المراعي والاستقرار. بعضهم واصل الطريق إلى ضفاف بحيرة طبريا حيث عُرفوا بالعوفية، ثم عادوا ليستقروا في حوران منتصف القرن السابع عشر، لتحتضن مدينة طفس معظمهم.

أما الاسم الحالي “الشرع”، فظهر لاحقا مع الشيخ سلامة بن عبدالغني الزاوياتي، المتخرج من الأزهر الشريف، الذي ذاع صيته في الفقه وحل النزاعات الدينية المعقدة. ومع شهرته غلب على العائلة لقب “الشرع”، فحل محل اسمها الأقدم “العوفية”.

الأنساب كأداة سياسية

لكن ظاهرة الشرع ليست استثناء. فالادعاء بالانتماء إلى النبي ظهر في محطات مختلفة عبر التاريخ السياسي الحديث.

صدام حسين حاول هو الآخر أن يُلحق نفسه بالنبي محمد (ص) عبر وثائق نسب مدبّرة، في محاولة لاكتساب ولاء الشيعة داخل العراق. لكن بعد سقوط نظامه عام 2003، أُسقط اسمه رسميًا من “شجرة النسب النبوي” في هيئة الأنساب العراقية، كاشفًا عن الطابع السياسي البحت لهذا الادعاء.

وحتى العائلة المالكة البريطانية، البعيدة عن العالم العربي، ارتبط اسمها بمثل هذه المزاعم. فقد أثيرت عدة دراسات في أواخر القرن العشرين تزعم أن الملكة إليزابيث الثانية تنحدر من الشجرة النبوية عبر أميرة أندلسية تدعى زيدة (Zaida of Seville)، التي يُعتقد أنها من نسل الحاكم الأندلسي المعتمد بن عباد. ورغم أن هذه النظرية تلقى التشكيك من مؤرخين كُثر، فإنها استُخدمت إعلاميًا لإبراز “جسر رمزي” بين الشرق والغرب.

في النهاية، تبدو مثل هذه الادعاءات أكثر ارتباطا بالحاضر من الماضي. فالأنساب تتحول هنا إلى لغة سياسية، تُستدعى لتجميل السلطة أو منحها بعدا رمزيا. لكن حين يوضع التاريخ تحت المجهر، تتآكل هذه الروايات، وتبقى الحقائق الأنسابية الموثقة أرسخ من أي شرعية تصنعها اللحظة السياسية.

#الشرع_السوري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *