التغريب في المجتمعات العربية والعراقية: بين الذوبان في الغرب وإعادة اكتشاف الهوية

التغريب في المجتمعات العربية والعراقية: بين الذوبان في الغرب وإعادة اكتشاف الهوية
يُمثل التغريب تحدياً وجودياً لهوية المجتمعات العربية، إذ يؤدي الانبهار المفرط بالغرب إلى فقدان الذات وتراجع القدرة على الإبداع المحلي، ولا يكون النهوض إلا بالموازنة بين الاستفادة الواعية من منجزات الغرب والحفاظ على الأصالة الثقافية....

لا يزال التغريب معضلة اجتماعية وفكرية جدلية، وقد تحول إلى إشكالية عميقة في واقع المجتمعات العربية والإسلامية، حيث يعيش العربي تناقضا حضاريا بين الانبهار بمنجزات الغرب المادية وخوفه من ذوبان هويته.

ويقصد بـ (التغريب) ذلك الانبهار المفرط بالغرب، حدّ الذوبان في نموذجه الثقافي والسياسي والاقتصادي، وفقدان القدرة على إنتاج مشروع حضاري مستقل.

وقد وصف مالك بن نبي هذه الظاهرة بأنها “القابلية للاستعمار”(1)، أي الاستعداد الداخلي الذي يجعل الأمة تتبنى قيم الآخر دون نقد.

وفي العراق خصوصا، برزت خطورة هذه الظاهرة بوضوح، في ظل التحديات السياسية والثقافية بعد 2003، حيث بات التغريب أداة لتفكيك الهوية أكثر منه سبيلا للنهضة.

•الجذور التاريخية للتغريب:

بدأت ملامح التغريب في العالم العربي مع الاحتكاك العسكري والثقافي بالغرب منذ الحملة الفرنسية على مصر عام 1798، مرورا بفترة الاستعمار البريطاني والغربي للمنطقة، التي شهدت محاولات ممنهجة لفرض النموذج الغربي، كما في إلغاء المدارس الدينية في العراق إبان الاحتلال البريطاني.

آنذاك ظهرت نخب مثقفة منبهرة بما شاهدته من منجزات الغرب، فاعتبرت أن طريق النهضة يمر عبر التقليد الكامل له.

ويشير علي الوردي إلى هذا في كتاباته حيث كان يرى، أن العراقي كثيرا ما يتأرجح بين قيم البداوة وقيم الحضارة الوافدة (2)، في إشارة إلى قابلية المجتمع العراقي للتأثر بالنماذج المستوردة.

أما جلال آل أحمد في إيران، فصاغ مصطلح (غرب ‌زدگی) ووصفه، بأنه مرض يفتك بالروح الشرقية حين تذوب في تقليد الغرب (3)، وهو ما ينطبق على التجربة العربية وإن اختلف السياق.

•التغريب في الواقع العربي والعراقي المعاصر:

اليوم، يظهر التغريب بأشكال متعددة، تبدأ من هيمنة اللغات الأجنبية على التعليم وسوق العمل، ولا تنتهي في استنساخ النماذج السياسية والاقتصادية الغربية دون مراعاة الخصوصية.

وفي العراق، تجلّت هذه الظاهرة بعد سقوط نظام صدام، في محاولات فرض الديمقراطية الليبرالية كنظام جاهز، بينما كان المجتمع يعاني من انقسامات طائفية وغياب ثقافة الحوار.

وقد ظهر تأثير التغريب في الإعلام والجامعات، حيث أصبح غالب المحتوى المستهلك في القنوات والمناهج التعليمية مستوردا من الغرب، ما قلل من قدرة المجتمع على إنتاج محتوى محلي يعكس خصوصيته الثقافية.

وقد لاحظ عبد الوهاب المسيري، أن التغريب يحوّل المجتمع إلى نسخة هامشية من مركز لا ينتمي إليه (4)، وهو ما ينطبق على واقع العراق الراهن.

•الآثار السلبية للتغريب:

أخطر ما في التغريب هو تآكل الهوية وانقسام المجتمع إلى تيارين: أحدهما يندفع نحو الغرب دون تمييز، والآخر يرفضه رفضا أعمى، مما يعطّل أي حوار منتج.

ويشير فالح عبد الجبار الى، ان النموذج الغربي حين يزرع في أرض غير مهيأة يتحول إلى قشرة شكلية (5)، وهو ما حدث في العراق مع الديمقراطية المستوردة، التي فشلت في تحقيق الاستقرار بسبب غياب البيئة الملائمة.

•نحو رؤية بديلة:

النقد الهادئ للتغريب لا يعني رفض الغرب جملة وتفصيلا، بل هو دعوة للاستفادة الواعية من منجزاته مع الحفاظ على الهوية.

فاليابان وماليزيا نجحتا في بناء نهضتهما دون ذوبان، وهو الدرس الذي يحتاج إليه العرب عموما والعراق خاصة.

وكما لخّص محمد عمارة هذا التوازن بقوله ان “الأخذ عن الغرب ضرورة، والذوبان فيه كارثة”(6).

• أخيرا:

التغريب خطر إن تحوّل إلى استلاب، لكنه قد يكون فرصة لإعادة تعريف الهوية إذا تعاملنا معه بوعي.

إن العراق اليوم أمام لحظة حساسة، تتطلب منا الانتقال من كوننا مستهلكين للثقافة الغربية إلى فاعلين في صناعة هويتنا الخاصة.

والمستقبل مرهون بقدرتنا على الجمع بين الأصالة والانفتاح، لأن الحضارة لا تبنى بالانبهار أو الرفض، بل بالتوازن والوعي.

وكما كان يؤكد علي الوردي في الكثير من مؤلفاته، فان المجتمع الذي يريد أن يغيّر مصيره، عليه أن يغيّر تفكيره.

المصادر:

1-    بن نبي، مالك. (1986). شروط النهضة. بيروت: دار الفكر/ مشكلة الثقافة. دمشق: دار الفكر.

2-    الوردي، علي. (1965). دراسة في طبيعة المجتمع العراقي. بغداد: مطبعة الأهالي.

3-    آل أحمد، جلال. (1962). غرب‌ زدگی. طهران: انتشارات رهنما.

4-    المسيري، عبد الوهاب. (2002). العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة. القاهرة: دار الشروق.

5-    عبد الجبار، فالح. (1995). الدولة والمجتمع المدني في العراق. بيروت: المركز العربي للأبحاث.

6-    عمارة، محمد. (1996). الغزو الفكري ومقاومته. القاهرة: دار الشروق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *