إلهي، خالق كل شيء، أتوجّه إليك برسالتي وأنت تعلم ما لا أعلم. فقد ضاقت الدنيا على عبادك، وأنت القائل على لسان نبيك طه:
“الخلق كلهم عيال الله، وأحبهم إليه أنفعهم لعياله.”
وكذلك قلت جلّ جلالك:
﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾.
آتيك اليوم كواحد من عيالك، مؤمنًا بك وبخلقك، وبأنك قريب تجيب دعوة الداعي إذا دعاك. فكيف بدعاء المظلومين من خلقك؟ هذا الظلم الذي لم يتوقف منذ خلقت الأرض وأنزلت عليها البشر، ابتداءً بالجدّ الأكبر والأول آدم عليه السلام.
إلهي وسيدي ومولاي، أنت بالطبع تعلم ما يحدث منذ خلقة الخلق. ففي غالبية الأزمان التي مرّ بها البشر كان الظلم هو السائد؛ القوي يأكل حق الضعيف، وسفك الدماء لا ينقطع من مكان إلا ليبدأ في مكان آخر. وكان الضعفاء من خلقك — من نساء وأطفال وعجائز — وقودًا لآتون الشر المندلع، دون أن يكون لهم أي دخل فيما يجري. أما العدالة التي وصفت بها نفسك، فهي غائبة بين خلقك؛ فالعدل بين بني البشر مفقود، ومن يملك يتجبّر على من لا يملك ويستضعفه، آخذًا منه كل حقوقه الآدمية التي أمرتَ بها له.
ربي، وبرغم كل الرسل الذين أرسلتهم بدساتير سماوية لتكون قوانين حياة للبشر، إلا أن السائد هو قانون البشر: من بغض وحقد وكراهية وغيرة وحسد واستعباد وسوء ظن وتعالٍ بعضهم على بعض، وسرقة وزنى وتحريض على الموبقات… هذا هو ديدنهم.
إلهي، لماذا سمحتَ بكل هذا بين عيالك؟ ولماذا تركت مصائرهم بين أيدي بعضهم البعض، يَسفِك بعضهم دماء المظلومين دون قصاص يردع المعتدي؟ سيدي، لن أكلمك عن التاريخ بما يحفل به من مجازر وقتل وإبادات، فأنت أعلم بها. لكنني اليوم أكلمك كعبدك الضعيف الحقير، مستجيرًا بكرمك وعدلك وجبروتك على الظالمين من عبادك. فأنت ترى أكثر مما نرى ما يحصل في غزّة الحبيبة: من جوعٍ لأطفالها، وقتلٍ لنسائها، وإهانةٍ للكرامة البشرية التي أمرت بها.
إلهي، إلى متى يستمر هذا الظلم؟! ذلك الظلم الذي قلتَ فيه في الحديث القدسي على لسان خاتم أنبيائك:
“يا عبادي، إني حرّمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرّمًا، فلا تظالموا.”
ولكن عبادك قد فجروا، ولا يريدون أن يستمعوا إلى مقالتك، غير آبهين بسوء الخاتمة. كل همّهم هو الدنيا، والسباق مع إبليس على من يرتكب الفواحش أكثر.
ربي، لقد ذكرت لك غزّة بالذات لأنها واقع الحال اليوم. أما ما سبق من حروب فقد انقضى ولا نستطيع تغييره. لكن في غزّة نشهد أبشع وأقذر ما يمكن أن يفعله إنسانٌ مجرمٌ بأخيه الإنسان: من دمار وقتل وتجويع وحرمان من الماء… فالموت عطشًا إن لم يكن قصفًا.
فاعذرني يا الله، ولكن إلى متى تترك البشرية لمصيرها دون تدخّل إلهي يمنع الظلم وسفك الدماء، ويوقف الاستهانة بالحياة البشرية والكرامة الإنسانية؟!
إلهي، أليس هؤلاء عيالك؟ وأنت القائل:
﴿وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ۗ وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلاَ يُسْرِف فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا﴾.
فيا سيدي، متى وكيف يأتي هذا السلطان وليّ الدم لينصر المظلوم ويوقف شلال الدماء؟ ألم تقل يا الله:
“لَأَنْ تُهْدَمَ الكعبةُ حجرًا حجرًا أهون عند الله من أن يُراق دم امرئ مسلم”؟
فها هي كعبتك التي جعلتها قبلة لعبادك تُهدم كل يوم، بل كل ساعة، بل في كل لحظة. فإلى متى يستمر هذا العذاب؟ هؤلاء المظلومون البؤساء، أليسوا عبادك؟ أليسوا من خلقك الذين كرّمتهم بقولك:
﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ (الإسراء: 70)
جئت إليك لأنه لا ملجأ لعبادك وعيالك إلا أنت. أناشدك وأدعوك باسمك العظيم الأعظم، وبالتين والزيتون، وبالسماء والطارق، وبحبك لحبيبك المصطفى ﷺ، أن لا تترك هؤلاء الضعفاء المساكين المؤمنين بك لمصائرهم، وأن ترفع عنهم ما هم فيه من أذى وشر. إنك على كل شيء قدير.
وإن كان هذا امتحانًا، فقد ألقيت الحجة. ألا يكفي يا الله ما يقارب مئتي ألف بين شهيد وجريح ومعاق، وأكثرهم من الأطفال الذين لا ناقة لهم ولا جمل سوى أنهم تربّوا على كلمة: لا إله إلا الله محمد رسول الله؟ هذا عدا عن دمار أرزاقهم، وضياع أعمارهم التي صارت أطلالًا ينعق عليها البوم والغربان.
فهم اليوم يشكون إليك ضعف قوتهم وتكالب الأمم عليهم، لا لشيء سوى أنهم ثبتوا على الإيمان بك ورسالة نبيك.
فعافيتك يا الله…


