المحسوبية العشائرية في العراق: بين النفوذ المشروع وهيمنة الولاءات الضيقة

المحسوبية العشائرية في العراق: بين النفوذ المشروع وهيمنة الولاءات الضيقة
تحولت العشيرة بعد 2003 إلى قوة سياسية واقتصادية نافذة في العراق، مما أضعف مؤسسات الدولة وعدالة الفرص، ويستلزم إصلاح العلاقة بين العشيرة والدولة وتعزيز الانتماء الوطني وترسيخ الشفافية لضمان العدالة والتنمية المستدامة....

في عراق ما بعد 2003، لم تعد العشيرة مجرّد رابطة اجتماعية تقليدية، بل تحولت في كثير من الأحيان إلى كيان سياسي واقتصادي، يمتلك أدوات ضغط ونفوذ داخل مؤسسات الدولة، ويشارك بشكل غير مباشر – أو مباشر – في توزيع المناصب والامتيازات. وبينما كان يُفترض أن تكون الدولة ضامنة للعدالة والكفاءة، باتت بعض المناصب تُحسم في دواوين العشائر لا في قاعات الاختيار المؤسساتي.

صعود العشائر إلى مراكز النفوذ

أدى الفراغ المؤسسي وغياب دولة المواطنة إلى بروز العشائر كقوى محلية بديلة للدولة، توفر الأمن والوساطة والحماية لأبنائها. ومع الزمن، تحولت هذه المكانة إلى مصدر نفوذ سياسي وإداري، خصوصًا حين تحالفت بعض العشائر مع أحزاب قوية، فصار لكل حزب عشيرته، ولكل عشيرة حصتها من المناصب.

وفي بعض المحافظات، أصبحت المناصب التنفيذية والإدارية تُوزع وفق نظام “الحصص العشائرية”، لا الكفاءة. وقد تجد وزارة أو مديرية كاملة تخضع فعليًا لإرادة شيخ عشيرة نافذ أو أحد أبنائه، ما يجعل قراراتها منحازة ومحكومة بمنطق الولاء لا الصالح العام.

أشكال الاستئثار:

1.تعيينات على أساس الانتماء العشائري:

تُمنح الوظائف أحيانًا بناءً على القرابة أو الولاء العشائري، لا على أساس الشهادات أو الخبرات. وغالبًا ما يُقصى المستقلون أو أبناء العشائر غير المتحالفة مع السلطة.

2.الهيمنة على المشاريع والعقود:

تتحكم بعض العشائر بالمناقصات المحلية ومشاريع الإعمار والخدمات، عبر نفوذها في الدوائر الرسمية، ما أدى إلى ترسيخ الفساد والتفاوت الاقتصادي بين المواطنين.

3.التدخل في القضاء والأمن:

ينجو بعض المطلوبين من المحاسبة لكونهم من عشائر قوية، بينما يُعاقب غيرهم لأسباب أقل شأنًا، مما يضرب مبدأ العدالة ويُفقد الثقة بمؤسسات الدولة.

الآثار السلبية على الدولة والمجتمع:

انهيار مبدأ تكافؤ الفرص: يتحول الطموح الفردي إلى عبء إذا لم يكن مسنودًا بعشيرة نافذة.

تنامي النزاعات العشائرية: التنافس على المناصب والثروات يولّد صدامًا بين العشائر، ما يهدد الأمن المجتمعي.

ضعف الدولة: تتحول الوزارات والدوائر إلى “إقطاعيات مصغّرة”، تُدار بمنطق المحسوبيات، لا بمنطق الكفاءة والمؤسسات.

الحلول الممكنة:

  1. تفعيل قانون الخدمة المدنية لضمان تعيينات عادلة بعيدة عن المحسوبية.
  2. فصل السلطات العشائرية عن مؤسسات الدولة بشكل حازم، مع احترام الدور الاجتماعي للعشيرة في السلم الأهلي لا في القرار السياسي.
  3. تعزيز الانتماء الوطني على حساب الانتماءات الضيقة، عبر التربية، والإعلام، والتشريعات.
  4. فرض رقابة قضائية وإدارية على التعيينات والمناقصات، ومعاقبة أي جهة تستغل نفوذها العشائري للحصول على منافع غير مستحقة.

خاتمة:

العشيرة، في جوهرها، كيان اجتماعي يحفظ النسيج الأهلي، لكنها حين تتحول إلى سلطة فوق الدولة، تصبح عامل هدم لا بناء. المطلوب ليس إلغاء العشائر، بل إعادة ضبط علاقتها بالمؤسسات، لتبقى قوة اجتماعية إيجابية، لا أداة للهيمنة وتقاسم الغنائم. فالدولة التي تُدار من خارج مؤسساتها، لا يمكن أن تنهض، ولا أن تحقق العدالة بين أبنائها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *