صوت بلا مشروع، من يُقنع الشيعة بالمشاركة؟

صوت بلا مشروع، من يُقنع الشيعة بالمشاركة؟
يشير النص إلى أن المشكلة الحقيقية ليست في نسبة المشاركة الانتخابية، بل في غياب استراتيجية واضحة وفعالة للقوى الشيعية لتحسين واقع المحافظات الجنوبية. استمرار الخطاب التقليدي دون رؤية إصلاحية سيؤدي إلى فقدان الشرعية الشعبية وانهيار المشروع السياسي الحالي....

تُفتح صناديق الاقتراع من جديد وتُعاد الدعوات التقليدية لأبناء المكوّن الشيعي بـ”المشاركة الواعية” وكأنّ جوهر المشكلة يكمن فقط في نسب التصويت لا في مضمون ما بعد التصويت. يتكرّر الخطاب ذاته: “إنقاذ العراق من الانهيار، حماية المكوّن من التهميش، دعم المشروع الوطني … ولكن أي مشروع؟ ومن المستفيد من استمرار هذا الخطاب الدائري الذي يُعيد إنتاج الفشل ذاته منذ أكثر من عقدين؟

أزمة المشاركة والوعي

الإطار التنسيقي بوصفه التحالف الذي يُفترض أنه يُمثّل المكوّن الشيعي سياسياً  لا يزال يدعو جماهيره للمشاركة لكنه لا يُقدّم إجابات حقيقية عن أسئلة أصبحت في صميم وعي المواطن الشيعي اليوم ..!!

لماذا ما تزال محافظاتهم تفتقر إلى مستشفيات نموذجية؟ ولماذا تتفشّى الأمراض المزمنة والفشل الكلوي في الجنوب بلا وجود بنية صحية حقيقية؟ ولماذا تُقصى الكفاءات الشيعية وتُعاد الوجوه ذاتها في كل دورة انتخابية؟ ثم لماذا تُدار مناطقهم بعقلية المقاولات لا بعقلية الدولة؟

وبين هذه الأسئلة المصيرية التي يتفاداها الخطاب السياسي الشيعي يبرز سؤال مؤلم لا يمكن تجاوزه: ما هو مصير خور عبد الله؟ ولماذا لم يتجرأ “الإطار التنسيقي” حتى الآن على مصارحة جمهوره بالحقيقة الكاملة حول مصير العراق البحري؟ هل فُقدت السيادة بصمت؟ أم أن حسابات التوافق السياسي باتت أهم من حدود العراق ومنافذه الاستراتيجية؟

مقارنة إقليم كردستان

في المقابل نلاحظ أن إقليم كردستان رغم قلة عدد سكانه وموارده الاتحادية يتقدّم بثبات في مجالات متعددة: جامعات دولية، بنى تحتية مستدامة، بيئة استثمارية واعدة واستقرار سياسي نسبي. فلماذا رغم السطوة البرلمانية والوزارية للقوى الشيعية لم يظهر نموذج مشابه في محافظات الوسط والجنوب؟ أين الرؤية التي كان يُفترض أن تُحوّل البصرة إلى “سنغافورة العراق”؟ وأين الخطط التي تُخرج ميسان من عزلتها النفطية إلى ديناميكية اقتصادية؟ وأين مدن النجف الثقافية وكربلاء الطبية وذي قار السياحية؟

في الديوانية تتراكم الأزمات حتى باتت تُشبه غزّة في مشهد التدمير البطيء إذ تنهار البنى التحتية بشكل شبه كامل وتتصاعد البطالة وتكاد مؤشرات التنمية تكون معدومة. أما السماوة فهي المدينة التي قتلها الفقر بصمت فلا مشاريع ولا جامعات ولا حتى أفق حقيقي لمستقبل مختلف.

ورغم هذا الواقع الصادم تستمر القوى الشيعية في دعوتها إلى المشاركة في الانتخابات وكأن المواطن يملك رفاهية التجربة مرة أخرى أو كأن ما جرى خلال السنوات الماضية لم يكن كافياً  لإعادة تقييم العلاقة بين الناخب والممثّل وبين الجمهور والمشروع.

نحن اليوم لا نسأل فقط عن نسب المشاركة بل عن جوهر العملية السياسية برمّتها. ما هي استراتيجية “الإطار التنسيقي” خلال السنوات العشر القادمة؟ ما رؤيتهم لإخراج الشيعة من عزلتهم الثقافية وحرمانهم الاقتصادي وواقعهم الصحي الخطير؟ وما خططهم لتأسيس جامعات عالمية ومدن طبية ومراكز بحثية حقيقية ومشاريع تنموية مستدامة داخل الجغرافيا التي ترفعهم إلى السلطة دون مقابل ؟

نحن أمام مفترق طريق حاسم: إما أن تعترف القوى الشيعية أن نموذجها الحالي قد استُنفد وأن الحاجة إلى مراجعة شاملة أصبحت ضرورة وجودية أو أن تُواصل خداع الذات والجمهور بشعارات موسمية إلى أن تنهار شرعيتها الشعبية وتبقى تحكم “اسماً بلا مضمون” و”مكوّناً بلا مشروع”.

ونعود في النهاية إلى السؤال الذي لم يُجب عنه أحد بوضوح حتى الآن رغم كل هذه التحولات والفرص المهدورة: ما هي الاستراتيجية الحقيقية للمكوّن الشيعي في العراق الجديد؟ بل لنسأل بشكل أكثر دقة: هل يمتلك الشيعة أصلًا استراتيجية واضحة لبناء الدولة؟ أم أنهم لا يزالون يدورون في حلقة مفرغة من ردود الأفعال بلا رؤية ولا مشروع؟

ثم نسأل وهذه المرة بمرارة استشرافية: ما الذي أعدّه “الإطار التنسيقي” بوصفه الممثل الأكبر للمكوّن الشيعي للعقد القادم؟ هل يملكون خطة واضحة أم أن التخبط سيظل هو العنوان الأبرز؟ هل لديهم تصور مستقبلي لبناء دولة مؤسسات أم أن منطق المحاصصة والسلطة سيبقى هو الحاكم باسم الطائفة؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *