مسيرة الأربعين الحسينية الشمس التي لا تُحجب

مسيرة الأربعين الحسينية الشمس التي لا تُحجب
تعدّ المسيرة الأربعينية أكبر تجمع بشري سلمي في العالم، إذ تجمع ملايين الزائرين من مختلف الجنسيات والأديان حول قيم العدالة والتكافل والتضحية. رغم التعتيم الإعلامي والهجمات الأمنية، بقيت المسيرة رمزًا للثبات والإيمان في وجه الظلم والطغيان.....

مقدمة  :

منذ أن دوّى نداء الحسين عليه السلام في أرض الطف:  “أما من ناصر ينصرني؟” والزمان يردّد صداه، حتى صارت الأقدام تمشي حيث سال الدم، والقلوب تخفق حيث ارتفع الرأس الشريف على الرماح.  على مدى قرون، حاولت عروش الظلم أن تطفئ هذه الذكرى، لكنها لم تزدها إلا اشتعالًا، ولم تحصد إلا مزيدًا من القلوب المؤمنة التي تنذر حياتها لتجديد العهد.

واليوم، بعد أكثر من أربعة عشر قرنًا، يقف العالم مذهولًا أمام مشهد المسيرة الأربعينية إلى كربلاء المقدسة؛ أكبر مسيرة سلمية راجلة في تاريخ البشرية. مشهد لم يعد يعتمد على الرواية الشفهية أو التقديرات الظنية، بل على إحصاءات دقيقة سجلتها الكاميرات الرقمية الحديثة التي وُضعت عند جميع بوابات الدخول المؤدية إلى المرقدين الطاهرين للإمامين الحسين وأخيه أبي الفضل العباس عليهما السلام،

حيث تقوم هذه العدسات الذكية برصد الوجوه مرة واحدة دون تكرار، لتكشف أن عدد الزائرين في هذه الأيام بلغ أرقامًا غير مسبوقة في التاريخ الإنساني. هذه الملايين الزاحفة من كل قارات الأرض، ومن أكثر من سبعين جنسية، لا يجمعها شعار سياسي ولا مطلب دنيوي، بل يربطها خيط روحي واحد ممتد من يوم العاشر من محرم سنة 61 هـ، حيث سقط الحسين شهيدًا دفاعًا عن كرامة الإنسان، لتنهض الأجيال من بعده وهي تقول بلسان الفعل قبل القول: “لبيك يا حسين”.

منذ أكثر من اثنين وعشرين عامًا، تتدفق سنويًا جموع ملايين الزائرين إلى كربلاء المقدسة لإحياء ذكرى أربعينية الإمام الحسين عليه السلام، في حدث هو الأضخم من نوعه على مستوى العالم من حيث عدد المشاركين، وامتداده الجغرافي، وتنظيمه الشعبي، وسلميته المطلقة.

ومع ذلك، يقف الإعلام العربي والعالمي أمام هذه الظاهرة متلبسًا صمتًا مريبًا، أو يتعمد تقديمها مشوهة ومختزلة، وكأنها لا تعني شيئًا في سجل المسيرات الكبرى. هذا الصمت لا يمكن تفسيره بالجهل أو الصدفة، بل هو نتاج منظومة من الحسابات السياسية، والمخاوف الثقافية، والمصالح التي ترى في هذه المسيرة تهديدًا لهيمنتها على الوعي الجماعي.

البعد التاريخي والإنساني للمسيرة

المسيرة الأربعينية ليست مجرد طقس ديني يخص مذهبًا بعينه، بل هي استعادة سنوية لملحمة كربلاء، حيث تواجه الضمير الإنساني مع قضايا العدل، والحرية، والتضحية، ومواجهة الطغيان.  منذ ان غادر الشعب العراقي حقبة الاستبداد، تحولت الأربعينية إلى حدث مفتوح لكل الأجناس والأديان والمذاهب، يجتمع فيه الإنسان على قيم نصرتها دماء الحسين عليه السلام قبل أربعة عشر قرنًا.

هذه المسيرة، الممتدة عبر مئات الكيلومترات، تمثل أعظم تظاهرة للتكافل الإنساني:  ملايين الوجبات توزع بلا مقابل،

مراكز الإيواء مفتوحة للجميع، والخدمة تُقدَّم للمجهول كما تُقدَّم للقريب، في مشهد يفوق قدرة أي دولة أو مؤسسة على تنظيمه بهذا الانضباط والإخلاص.

التعتيم الإعلامي: أسبابه ومظاهره

1.القراءة الطائفية الضيقة :

الإعلام المهيمن – عربيًا وعالميًا – يتعامل مع الأربعينية بوصفها حدثًا شيعيًا محضًا، فيختزلها في إطار مذهبي يمنعها من التمدد إلى فضاء الإنسانية العامة. هذه النظرة المغلقة تُفقد الحدث قدرته على أن يُرى كحركة أخلاقية عالمية.

2.الخوف من البعد الإلهامي للمسيرة

* الملايين التي تتحرك بإرادة حرة ومنظمة، خارج وصاية السلطة السياسية أو العسكرية، تقدم نموذجًا يمكن أن يلهم شعوبًا أخرى للمطالبة بحريات أكبر أو بتنظيم فعاليات جماهيرية مستقلة. هذا البعد المخيف بالنسبة للأنظمة الاستبدادية يجعل من التعتيم خيارًا إستراتيجيًا.

3.المعايير الإعلامية المزدوجة

في حين تُغطّى احتجاجات أو مسيرات تضم آلاف الأشخاص كحدث عالمي، تُترك الأربعينية – بملايينها – خارج العدسات.  والسبب أن هذا الحدث لا يدخل في أجندات القنوات التي تتحكم بها مراكز النفوذ السياسي والاقتصادي.

4.حسابات القوى الدولية والإقليمية

منذ السنوات الأولى، أوفدت أجهزة المخابرات العالمية والعربية رجالاتها ليعاينوا المشهد على الأرض، ورفعوا تقارير عميقة في دراسات وتفسيرات وتأويلات شتى. ورغم محاولات التشويه أو الاختراق عبر استهداف الأبرياء بالإرهاب، فشلوا في التأثير على جوهر المسيرة، وبقيت أقوى من أن تُقهر.

البعد الأمني وصمود المسيرة

تاريخ الأربعينية في العقدين الأخيرين يثبت أنها ليست حدثًا عابرًا، بل صرحًا إنسانيًا صلبًا.  فحتى حين أُرسلت الجماعات الإرهابية لتفجير مواكب الأبرياء، لم تتوقف المسيرة، بل ازدادت إصرارًا وتوسعًا. لقد كان ذلك بمثابة اختبار عالمي لصلابة الإرادة الشعبية المؤمنة. إن فشل كل هذه المحاولات لم يكن بسبب غياب الخطر، بل بسبب إيمان المشاركين بأنهم يؤدون رسالة أكبر من أعمارهم الفردية، وأنهم جزء من امتداد روحي وتاريخي يحقّق وعد الله:

“يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون” – صدق الله العظيم.

خاتمة

المسيرة الأربعينية اليوم ليست ملكًا لطائفة أو لشعب، بل هي ميراث إنساني مفتوح لكل من يبحث عن المعنى في زمن طغت فيه المادة على الروح.  تجاهل الإعلام لها لا يقلل من قيمتها، بل يكشف حجم الخوف من رسالتها.  إنها أكبر مسيرة سلمية راجلة في التاريخ، لم تُهزم أمام الإرهاب، ولا أمام العزلة الإعلامية، وظلّت كل عام تؤكد أن صوت الإنسان الحر يمكن أن يتجاوز حدود الجغرافيا، وأن نور الله ماضٍ في تمامه، ولو كره الكارهون. وعلى امتداد الطرق الموصلة إلى كربلاء، حيث تختلط رائحة التراب بندى الدموع، تمضي المسيرة الأربعينية كأنها نبض حي لصرخة الحسين الخالدة في وجه الظلم: “هيهات منّا الذلة”.

إنها ليست خطوات راجلة فحسب، بل قلوب تستجيب، بعد أربعة عشر قرنًا، لذلك النداء الذي شقّ صمت الطف: “أما من ناصر ينصرني؟”.هنا، تتجدد في كل عام حكاية العهد الذي قطعته سيدتي زينب عليها السلام أمام عرش الطاغوت يزيد، حين قالت: “والله لن تمحو ذكرنا”.  فها هو ذكر الحسين يمتدّ من رنين تلك الكلمة إلى ملايين الحناجر التي تهتف، ومن وهج دم كربلاء إلى لهيب القلوب التي تعرف أن الحق لا يموت. المسيرة الأربعينية إذن، ليست ذكرى فحسب، بل وعد متجدد بأن نور الحسين لن يخبو، وأن صرخته ستظل تتردّد في شوارع التاريخ، حتى يأذن الله أن يرث الأرض ومن عليها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *